قال : وكان يدخل بيتا ، ويغلق بابه ، ويدخل معه كوزا من ماء ، فلم أدر ما يصنع حتى سمعت ابنا له صغيرا يحكي بكاءه ، فنهته أمّه . فقلت لها :
ما هذا البكاء ؟ . فقالت : إن أبا الحسن يدخل هذا البيت فيقرأ القرآن ، ويبكي ويسمعه الصّبيّ فيحكيه . فكان إذا أراد أن يخرج غسل وجهه ، واكتحل ، فلا يرى عليه أثر البكاء .
قال : وكان يصل قوما ، ويعطيهم ، ويكسوهم ، فيبعث إليهم ، ويقول للرّسول : انظر ، ألّا يعلموا من بعثه إليهم ، ويأتيهم هو بالليل فيذهب إليهم ، ويخفي نفسه ، فربّما بليت ثيابهم ، ونفد ما عندهم ولا يدرون من الذي أعطاهم . ولا أعلم منذ صحبته وصل أحدا بأقلّ من مائة درهم إلّا أن لا يمكنه ذلك .
وكنت أخبز له ، فما نخلت له دقيقا قطّ إلّا أعصيه « 1 » . وكان يقول :
اشتر لي شعيرا أسود قد تركه النّاس ، فإنّه يصير إلى الكنيف . ولا تشتر لي إلّا ما يكفيني يوما بيوم .
وأردت الخروج إلى بعض القرى ولا أرجع نحوا « 2 » من أربعة أشهر .
فاشتريت له عدل شعير أبيض جيّدا فنقّيته ، وطحنته ، ثم أتيته به ، فقلت :
إنّي أريد أن أخرج إلى بعض القرى فأغيب فيه ، واشتريت لك هذا الطّعام ؛ لتأكل منه حتّى أرجع . فقال : نقّيته لي ، وجوّدته ؟ . قلت : نعم . فتغيّر لونه ، وقال : إن كنت تنوّقت فيه ، ونقّيته ، فأطعمه نفسك ، فلعلّ لك عند اللّه أعمالا تحتمل أن تطعم نفسك النّقيّ . فأمّا أنا فقد سرت في الأرض ، ودرت فيها ، فباللّه الذي لا إله إلّا هو ، ما رأيت نفسا تصلّي إلى القبلة شرّا
هامش
- « إن يسير الرياء شرك » قال الأستاذ فؤاد عبد الباقي رحمه اللّه تعالى في « الزوائد » :
في إسناده عبد اللّه بن لهيعة ، وهو ضعيف .
( 1 ) في ( ب ) أغيظه ، وفي الحلية : أغضبه .
( 2 ) في ( ب ) : أقلّ .