الرّغيفين والملح ؛ ثم إنّه التفت إليّ فقال : يا سريّ ، ملحك مدقوق ! قلت :
نعم . قال : يا سريّ ، ليس تفلح . قلت : ولم ؟ قال : أو ما علمت أنّ خبز الشّعير ، والملح الجريش ينوّر القلب ؟ فنظرت إلى مزود [ كان ] معه فيه سويق الشّعير ، فسفّ منه . فقلت : ما دعاك إلى هذا ؟ قال : إنّي حسبت ما بين المضغ إلى الاستفاف سبعين تسبيحة ، فما مضغت الخبز منذ أربعين سنة . فلما قربنا من عبّادان ، وأردنا أن نفترق قلت : رحمك اللّه ، كلمة أحفظها عنك . قال : أو تفعل ؟ قلت : نعم ، أفعل . فقال : احفظ عنّي خمس خصال ، إنّك إن حفظتها لا تبالي ما ذا صنعت بعدها « 1 » . قلت : وما هي يرحمك اللّه ؟ قال : عانق الفقر ، وتوسّد الصّبر ، وعاد الشّهوات ، وخالف الهوى ، وافزع « 2 » إلى اللّه في جميع أمورك . فإذا كنت كذلك وهب اللّه لك خمسا . قلت وما هنّ ؟ قال : الشّكر ، والرّضا ، والخوف ، والرجاء ، والصّبر على البلاء . ثم تدفعك هذه إلى خمس : الورع الخفيّ ، وتصفية القلوب ، وترك ما حاك في الصّدر ، وترك ما لا يعني « 3 » ، وترك الفضول بحفظ الجوارح بعد ذلك . ثم يمدّك اللّه بخمس : بحياة القلوب ، وصفاء الاعتبار ، والفهم عن اللّه ، والتّيقّظ من الغفلة ، ومساعدة الأوطار في طاعة اللّه تعالى . فعندها يردّيك اللّه بخمسة أردية : اللّطف ، والحلم ، والرّأفة ، والرّحمة للعالم ، وهيبة النار ، إذا اطّلعت عليها ، ذكرت اللّه بالرّبوبيّة . ويلزم قلبك خمسا :
السّباق ، والبدار ، والتّصبّر عن الحرام ، وصدق الانقطاع ، وصحّة الإرادة .
وقال في رواية : فإذا كنت كذلك يهب اللّه لك خمسا : الزّهد ، ومع الزّهد القنوع ، ومع القنوع الرّضا ، ومع الرّضا المعرفة ، ومع المعرفة الشّوق . ثم يهب لك خمسا : السّباق ، والبدار ، والتخفّف ، وحسن البشارة ،
هامش
( 1 ) في الحلية 10 / 111 : « ما ذا أضعت بعدها » .
( 2 ) في الحلية 10 / 111 : « واضرع » .
( 3 ) في الحلية 10 / 111 : « وترك ما لا يعنيك » .