وكان سبب توبته أنه كان يعشق جارية ، فبينا هو ذات ليلة يرتقي الجدران إليها سمع تاليا يتلو :
أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
[ الحديد : 16 ] فقال : بلى يا ربّ ، قد آن ، فرجع فآواه الليل إلى خربة . فإذا فيها رفقة ، فقال بعضهم : نرتحل . وقال بعضهم : حتى نصبح ، فإنّ فضيلا على الطريق يقطع علينا . فتاب الفضيل ، وأمّنهم ، وجاور الحرم إلى أن مات فيه « 1 » .
وقال أبو علي الرازيّ : صحبت الفضيل ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكا ولا متبسّما إلا يوم مات ابنه علي . فقلت له في ذلك ، فقال : إنّ اللّه أحبّ أمرا فأحببت ذلك « 2 » .
وقال ابن المبارك في كلام له : وأما أورع الناس فالفضيل بن عياض « 3 » .
وقال بشر بن الحارث : عشرة ممن كانوا يأكلون الحلال ، لا يدخلون بطونهم إلا حلالا ، ولو استفّوا التّراب والرماد . وذكر منهم الفضيل بن عياض « 4 » .
وقال الفضيل بن الربيع : حجّ أمير المؤمنين هارون الرشيد ، فبينا أنا ليلة نائم بمكّة إذ سمعت قرع الباب ، فقلت : من هذا ؟ فقال : أجب أمير المؤمنين . فخرجت مسرعا . فقلت : يا أمير المؤمنين ، هلّا أرسلت إليّ فأتيتك ؟ فقال : إنّه حكّ « 5 » في نفسي شيء فانظر لي رجلا أسأله عنه .
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية 1 / 62 .
( 2 ) وفيات الأعيان 4 / 49 . وتتمة الخبر فيه : « وكان ولده المذكور شابّا سريّا من كبار الصالحين ، وهو معدود في جملة من قتلتهم محبّة الباري سبحانه وتعالى » .
( 3 ) مختصر تاريخ دمشق 20 / 301 .
( 4 ) سير أعلام النبلاء 8 / 425 . وفيه ذكر العشرة ، وهم : « سفيان ، وإبراهيم بن أدهم ، والفضيل بن عياض ، وابنه ، وسليمان الخواص ، ويوسف بن أسباط ، وأبو معاوية نجيح الخادم ، وحذيفة المرعشي ، وداود الطائي ، ووهيب بن الورد » .
( 5 ) يقال : حكّ الشيء في نفسي : إذا لم تكن منشرح الصدر به ، وكان في قلبك منه شيء من الشكّ والرّيب ، وأوهمك أنه ذنب وخطيئة . النهاية ( حكك ) .