نائما ! فقال : يا أمّاه ، واللّه إنّ اللّيل ليرد عليّ فيهولني ، فينقضي عنّي وما قضيت منه أربي .
وقال أبو بسطام : كان عمر بن المنكدر لا ينام الليل ، يكثر البكاء على نفسه ؛ فشقّ ذلك على أمّه ، فقالت لأخيه محمد : إنّ الذي يصنع عمر يشقّ عليّ ، فلو كلّمته في ذلك . فاستعان عليه بأبي حازم ، فقالا له : إنّ الذي تصنع يشقّ على أمّك . قال : فكيف أصنع ؟ إنّ اللّيل إذا دخل عليّ هالني ، فأستفتح القرآن ، وما تنقضي نهمتي فيه . قالا : فالبكاء ؟ ! قال : آية من كتاب اللّه أبكتني . قالا : وما هي ؟ قال : قوله تعالى :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
[ الزمر : 47 ] « 1 » .
وقال عبد الرحمن بن حفص القرشيّ : بعث بعض الأمراء إلى عمر بن المنكدر بمال ، فجاء به الرسول ، فوضعه بين يديه . فجعل عمر ينظر إليه ويبكي ، ثم جاء أبو بكر « 2 » ، فلمّا رأى عمر يبكي جلس يبكي لبكائه ؛ ثم جاء محمد ، فجلس يبكي لبكائهما ، فاشتدّ بكاؤهم جميعا ، فبكى الرسول أيضا لبكائهم ، ثم أرسل إلى صاحبه فأخبره بذلك ، فأرسل ربيعة بن أبي عبد الرحمن يستعلم علم ذلك البكاء ، فجاء ربيعة ، فذكر ذلك لمحمد ، فقال محمد : سله فهو أعلم ببكائه . فاستأذن عليه ربيعة فقال : يا أخي ! ما الذي أبكاك من صلة الأمير ؟ قال : إنّي - واللّه - خشيت أن تغلب الدّنيا على قلبي ، فلا يكون للآخرة فيه نصيب ، فذلك الذي أبكاني . قال : وأمر بالمال فتصدّق به على فقراء أهل المدينة . فجاء ربيعة فأخبر الأمير بذلك ، فبكى وقال : هكذا - واللّه - يكون أهل الخير « 3 » .
رحمة اللّه عليه ورضوانه .
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 2 / 145 .
( 2 ) هو أبو بكر بن المنكدر الأخ الثالث لعمر ومحمد .
( 3 ) صفة الصفوة 2 / 145 - 146 .