من الشّيوخ . فبينا أنا يوما من الأيام قد بكّرت ، وكنت حدثا ، إذ لقيني في بعض طرق الرّيّ شيخ مخضوب بالحنّاء فيما وقع لي . فسلّم عليّ ، فرددت عليه السلام . فقال لي : يا أبا زرعة ، سيكون لك شأن وذكر ، فاحذر أن تأتي أبواب الأمراء . ثم مضى الشيخ ، ومضى لهذا الحديث دهر ، وصرت شيخا كبيرا ، ونسيت ما أوصاني به الشيخ ؛ وكنت أزور الأمراء ، وأغشى أبوابهم .
فبينا أنا يوما وقد بكّرت أطلب دار الأمير في حاجة عرضت لي ، فإذا أنا بذلك الشيخ الخضيب بعينه في ذلك الموضع ، فسلّم عليّ كهيئة المغضب وقال لي :
ألم أنهك عن أبواب الأمراء أن تغشاها ؟ ثم ولّى عنّي ، فالتفتّ فلم أره ، وكأنّ الأرض انشقّت فابتلعته ، فخيّل لي أنّه الخضر . فرجعت من وقتي ، فلم أزر أميرا ، ولا غشيت بابه ، ولا سألته حاجة ، حتى تكون له الحاجة ، فيركب إليّ ، فربّما أذنت له ، وربّما لم آذن له على قدر ما يتّفق « 1 » .
وقال أبو زرعة : تفكّرت في رجال الحديث ليلة ، فأريت فيما يرى النّائم كأنّ رجلا ينادي : يا أبا زرعة ، فهم متن الحديث خير لك من التفكّر في الموتى « 2 » .
وقال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل : لمّا ورد علينا أبو زرعة نزل عندنا ، فقال لي أبي : يا بنيّ ، قد اعتضت بنوافلي مذاكرة هذا الشيخ .
وفي رواية قال : ما صلّيت غير الفرض ، استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي « 3 » .
وقال يونس بن عبد الأعلى - وذكر أبا زرعة - فقال : أبو زرعة آية ، وإذا أراد اللّه أن يجعل عبدا من عباده آية جعله .
هامش
( 1 ) تاريخ ابن عساكر 44 / 318 - 319 .
( 2 ) تاريخ ابن عساكر 44 / 320 .
( 3 ) تاريخ بغداد 10 / 327 ، وتاريخ ابن عساكر 44 / 299 - 300 .