يتصدّى لهم كثيرا ، ويقبل عليهم ، فأقبل عليه ابن أمّ مكتوم ، فجعل يقول :
يا رسول اللّه ، أقرئني وعلّمني ممّا علّمك اللّه . فجعل ينادي ويكرّر النداء ، وهو لا يدري أنّه مشتغل عنه ، مقبل على غيره ، حتى ظهرت الكراهية في وجه رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم لقطعه كلامه ، وقال في نفسه : يقول هؤلاء الصناديد :
إنّما أتباعه العميان والسّفلة والعبيد . فعبس رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم وأعرض عنه ، وأقبل على القوم الذين يكلّمهم . فلمّا قضى نجواه ، وأخذ ينقلب إلى أهله أنزل اللّه عزّ وجلّ :
عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى
[ عبس : 1 - 2 ] الآيات ؛ فكان رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم يكرمه ، وإذا رآه قال : « مرحبا بمن عاتبني فيه ربّي » ويقول : « هل لك من حاجة ؟ هل تريد من شيء » « 1 » ؟ .
وقال البراء بن عازب : إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم نزل يوما عليه الوحي فقال :
« ائتوني بالكتف أو اللّوح » فكتب :
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وعمرو بن أمّ مكتوم خلف ظهره فقال : هل لي من رخصة ؟ فنزلت :
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
[ النساء : 95 ] « 2 » .
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى : نزلت :
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ
[ النساء : 95 ] فقال ابن أمّ مكتوم : أي ربّ ، أنزل عذري ، ( أين عذري ) ؟ « 3 » فأنزل اللّه عزّ وجلّ :
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
فكان بعد ذلك يغزو ويقول :
ادفعوا إليّ اللّواء ، فإنّي أعمى لا أستطيع أن أفرّ ، وأقيموني بين الصفّين « 4 » .
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 1 / 583 .
( 2 ) رواه البخاري 4594 في التفسير ، باب لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل اللّه ، والترمذي 3031 في تفسير القرآن ، باب ومن سورة النساء . وانظر صفة الصفوة 1 / 583 - 584 .
( 3 ) ما بين القوسين ليس في ( ب ) .
( 4 ) رواه ابن سعد في الطبقات 4 / 210 ، وانظر صفة الصفوة 1 / 584 ، والسير 1 / 364 .