قالت : وشكا عكرمة إلى رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم أنّه إذا مرّ بالمدينة قالوا : هذا ابن عدوّ اللّه أبي جهل . فقام رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم خطيبا ، فحمد اللّه وأثنى عليه وقال :
« الناس معادن ، خيارهم في الجاهلية ، خيارهم في الإسلام إذا فقهوا » « 1 » .
وقال الزّبير بن بكّار : لما ندب أبو بكر الصّدّيق الناس لغزو الرّوم ، فعسكروا بالجرف - على ميلين من المدينة - خرج أبو بكر يطوف في معسكرهم ، ويقوّي الضّعيف منهم ، فبصر بخباء عظيم حوله ثمانية أفراس ورماح وعدّة ظاهرة ؛ فانتهى إلى الخباء ، فإذا خباء عكرمة ؛ فسلّم عليه ، وجزاه أبو بكر خيرا ، وعرض عليه المعونة ، فقال له عكرمة : أنا غنيّ عنها ، معي ألفا دينار ، فاصرف معونتك إلى غيري . فدعا له أبو بكر بخير « 2 » .
وقال سيف بن عمر : قال عكرمة يوم اليرموك : قاتلت رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم في كلّ موطن ، وأفرّ منكم اليوم ! ثم نادى : من يبايع على الموت ؟ فبايعه الحارث بن هشام في أربع مائة من وجوه المسلمين وفرسانهم ، فقاتلوا قدّام فسطاط خالد حتى أثبتوا « 3 » جميعا جراحة ، وقتلوا إلا ضرار بن الأزور « 4 » .
وقال الزّهري : إنّ عكرمة بن أبي جهل كان يومئذ - يعني يوم فحل « 5 » - أعظم الناس بلاء ، وأنّه [ كان ] « 6 » يركب الأسنّة حتى جرحت صدره ووجهه « 7 » . فقيل له : اتّق اللّه ، وارفق بنفسك . قال : كنت أجاهد بنفسي عن
هامش
( 1 ) رواه ابن عساكر في تاريخه 11 / 378 أ .
( 2 ) نسب قريش 311 ، وأسد الغابة 4 / 5 - 6 .
( 3 ) أثبتوا : عجزوا عن الحركة من أثر جراحاتهم . والمثبت من لا حراك به من مرض وغيره . القاموس : ( ثبت ) .
( 4 ) أسد الغابة 4 / 6 ، ومختصر تاريخ دمشق 17 / 138 - 139 .
( 5 ) فحل : موضع بالشام جرت فيه معركة بين المسلمين والروم ، قتل فيها من الروم ثمانون ألفا . معجم البلدان : ( فحل ) .
( 6 ) ما بين معقوفين مستدرك من أسد الغابة 4 / 6 وتهذيب النووي 1 / 340 .
( 7 ) في ( ب ) : « جرحت صورة وجهه » وهو تحريف .