يقاتلهم بنفسه حتى قتلوه ، واحتزّ رأسه وبعثه إلى عبد الملك ، وصلب جثّته على الثّنيّة التي بالحجون « 1 » . فأرسلت أمّه أسماء إلى الحجّاج : قاتلك اللّه ، علام تصلبه ؟ واستأذنته في أن تكفّنه ، فأبى . وذلك في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين ، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة .
وقال مجاهد : كنت مع ابن عمر فمرّ على ابن الزّبير وهو مصلوب ، فوقف عليه فقال : رحمك اللّه ، فإنّك كنت ما علمت صوّاما قوّاما ، وصولا للرّحم .
زاد في رواية : لقد أفلحت قريش إن كنت شرّ أهلها « 2 » .
ولمّا قتل عبد اللّه وصلب ، خرجت إليه أمّه حتى وقفت عليه وهو مصلوب ، فدعت له طويلا وما يقطر من عينها قطرة ، ثم انصرفت وهي تقول : من قتل على باطل فقد قتلت على حقّ ، وعلى أكرم قتلة ، ممتنع بسيفك فلا تبعد . فأقبل الحجّاج في أصحابه حتى وقف عليها فقال : كيف رأيت ؟ نصر اللّه الحقّ وأظهره ، فقالت : ربما أديل الباطل على الحقّ ، وأراك أفسدت عليه دنياه ، وأفسد عليك آخرتك .
قال : إنّ ابنك ألحد في هذا البيت ، وقال اللّه :
وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
[ الحج : 25 ] وقد أذاقه اللّه ذلك العذاب الأليم . قالت : كذبت ، كان أوّل مولود ولد في الإسلام بالمدينة ، وسرّ به رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم وحنّكه بيده ، وكبّر المسلمون يومئذ حتى ارتجّت المدينة فرحا به ، وقد فرحت أنت وأصحابك بمقتله ، فمن كان فرح يومئذ به خير منك ومن أصحابك ، وكان مع ذلك برّا بالوالدين ، صوّاما قوّاما بكتاب اللّه عزّ وجلّ ، معظّما لحرم اللّه ، يبغض أن يعصى اللّه . أشهد على رسول اللّه
هامش
( 1 ) الحجون : جبل بأعلى مكة . معجم البلدان ( حجن ) .
( 2 ) تاريخ ابن عساكر : 488 .