مليكة : صف لنا عبد اللّه بن الزّبير فإنّه ترمرم « 1 » على أصحابنا فتغشمروا « 2 » عليه . فقال : عن أيّ حاليه تسأل ؟ أعن دينه ، أو عن دنياه ؟ قال : عن كلّ .
قال : واللّه ، ما رأيت جلدا قطّ ركّب على لحم ، ولا لحما على عصب ، ولا عصبا على عظم ؛ مثل جلده على لحمه ، ولا مثل لحمه على عصبه ، ولا مثل عصبه على عظمه ، ولا رأيت نفسا ركّبت بين جنبين مثل نفس له ركّبت بين جنبيه . ولقد قام يوما إلى الصّلاة فمرّ حجر من حجارة [ المنجنيق ] « 3 » بلبنة مطبوخة من شرافات المسجد ، فمرّت بين لحيته وصدره ، فو اللّه ما خشع لها بصره ، ولا قطع لها قراءته ، ولا ركع دون الرّكوع الذي كان يركع . إنّ ابن الزّبير كان إذا دخل في الصّلاة خرج من كلّ شيء إليها ، ولقد كان يركع فيكاد يقع الرّخم « 4 » على ظهره ، ويسجد ، فكأنّه ثوب مطروح .
وقال الزّبير بإسناده : كان عبد اللّه بن الزبير يواصل الصّيام سبعا ، يصوم يوم الجمعة فلا يفطر إلّا ليلة الجمعة الأخرى ، ويصوم بالمدينة فلا يفطر إلّا بمكة ، ويصوم بمكّة فلا يفطر إلّا بالمدينة .
زاد في رواية : فإذا كان عند إفطاره دعا بقدح فيه سمن ، ثم يأمر بلبن لقحة فيحلب عليه ، ثم يدعو بشيء من صبر « 5 » فيذرّه عليه ثم يشربه « 6 » .
وقال خالد بن أبي عمران : كان ابن الزّبير لا يفطر من الشّهر إلّا ثلاثة أيام « 7 » .
هامش
( 1 ) ترمرم : حرّك فاه للكلام . اللسان : ( رمم ) .
( 2 ) تغشمروا عليه : غضبوا عليه . والغشمرة : أخذ بجفاء وعنف . اللسان : ( غشمر ) .
( 3 ) ليست اللفظة في ( جهنىّ ) ولا في ( ب ) واستدركناها من تاريخ ابن عساكر : 411 ، والعقد الثمين : 5 / 153 .
( 4 ) الرّخم : جمع رخمة : طائر أبقع على شكل النسر . لسان العرب ( رخم ) .
( 5 ) الصّبر : نبت مرّ المذاق .
( 6 ) تاريخ ابن عساكر : 414 ، وصفة الصفوة : 1 / 767 .
( 7 ) تاريخ ابن عساكر : 415 .