وسأله رجل من الصّالحين عن التوكّل فقال له : ما تقول أنت ؟ قال : إنّ أصحابنا يقولون : لو أنّ السّباع والأفاعي عن يمينك وشمالك ما تحرّك سرّك لذلك . فقال أبو يزيد : نعم ، هذا قريب ، ولكن لو أنّ أهل الجنّة في الجنة يتنعّمون ، وأهل النار في النار يتعذّبون ، ثم وقع بك تمييز عليهما لخرجت من جملة التوكّل .
ورأى رجلا فقال له : ما حرفتك ؟ فقال الرجل : خربنده « 1 » فقال له أبو يزيد : أمات اللّه حمارك لتكون عبدا للّه لا عبد الحمار .
وقال : حظوظ كرامات الأولياء مع تباينها من أربعة أسماء ، وقيام كلّ فقير منهم باسم منها وهي : الأول والآخر والظاهر والباطن . فمتى فني عنه بعد ملابستها فهو الكامل التام . فمن كان حظّه من اسمه ( الظاهر ) لاحظ عجائب قدرته ؛ ومن كان حظّه من اسمه ( الباطن ) لاحظ ما جرى في السّرائر من أنواره ؛ ومن كان حظّه من اسمه ( الأوّل ) كان شغله بما سبق ؛ ومن كان حظّه من اسمه ( الآخر ) كان مرتبطا بما يستقبله . وكلّ كوشف على قدر طاقته ، إلا من تولّاه الحقّ سبحانه ببرّه « 2 » .
وسئل عن المعرفة فقال :
إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً
[ النمل : 34 ] . ثم قال : للخلق أحوال ، ولا حال للعارف لأنه محيت رسومه ، وغيّبت آثاره ، وفنيت هويّته . فالعارف طيّار ، والزاهد سيّار « 2 » .
وسئل عن المحبّة فقال : استقلال الكثير من نفسك ، واستكثار القليل من حبيبك « 3 » .
هامش
( 1 ) جاء في هامش ( ب ) : « أي : مكاري » .
( 2 ) مختصر ابن خميس الورقة 52 ، والكواكب الدرية 1 / 246 .
( 3 ) مختصر ابن خميس الورقة 52 / ب .