حازم ، ما لنا نكره الموت ؟ قال : عمّرتم الدنيا ، وخرّبتم الآخرة ، فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب . قال : صدقت ، ثم قال : يا أبا حازم ، ليت شعري ، ما لنا عند اللّه غدا ؟ قال : اعرض عملك على كتاب اللّه ، قال : وأين أجده من كتاب اللّه ؟ قال : قال اللّه تعالى :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
[ الانفطار : 13 - 14 ] قال سليمان « 1 » : فأين رحمة اللّه ؟
قال أبو حازم
قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[ الأعراف 56 ] قال سليمان : ليت شعري ، كيف العرض على اللّه غدا ؟ قال أبو حازم : أمّا المحسن فكالغائب يقدم على أهله ، وأمّا المسئ فكالآبق يقدم به على مولاه ، فبكى سليمان حتى علا نحيبه ، واشتدّ بكاؤه ، فقال : يا أبا حازم ، كيف لنا أن نصلح ؟
قال : تدعوا عنكم الصّلف ، وتمسكوا بالمروءة ، وتقسموا بالسويّة ، وتعدلوا في القضيّة . قال : وكيف المأخذ لذلك ؟ قال : تأخذه بحقّه ، وتضعه بحقّه في أهله . قال : يا أبا حازم ، من أفضل الخلائق ؟ قال : أولو المروءة والنهى . قال : فما أعدل العدل ؟ قال : كلمة صدق عند من ترجوه أو تخافه . قال : فما أسرع الدّعاء إجابة ؟ قال : دعاء المحسن إليه للمحسن .
قال : فما أفضل الصّدقة ؟ قال : جهد المقلّ إلى البائس الفقير ، لا يتبعها منّ ولا أذى . قال : من أكيس الناس ؟ قال : رجل ظفر بطاعة اللّه تعالى ، فعمل بها ، ثمّ دلّ الناس عليها . قال : فمن أحمق الخلق ؟ قال : رجل انحطّ في هوى أخيه وهو ظالم ، فباع آخرته بدنيا غيره . قال : يا أبا حازم ، هل لك أن تصحبنا ، فتصيب منّا ، ونصيب منك ؟ قال : كلّا . قال : ولم ؟ قال : إنّي أخاف أن أركن إليكم شيئا قليلا ، فيذيقني اللّه ضعف الحياة وضعف الممات ، ثم لا يكون لي منه نصيرا . قال : يا أبا حازم ، فادع اللّه لي . قال :
نعم . اللهمّ ، إن كان سليمان من أوليائك ، فيسّره لخير الدنيا والآخرة ، وإن كان سليمان من أعدائك ، فخذ بناصيته إلى ما تحبّ وترضى . قال سليمان :
هامش
( 1 ) في الأصل : « سفيان » وهو تحريف .