أبدا ؛ واللّه ، إنّي لمّا رأيت الليل وهوله وشدّة سواده ، ذكرت الموقف وشدّة الأمر هناك ، وكلّ امرئ يومئذ تهمّه نفسه ، و
لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً
[ لقمان : 33 ] ، ثم شهق ولم يزل يضطرب ما شاء اللّه « 1 » .
وقال مالك بن ضيغم : حدّثتني خالتي حبابة ابنة ميمون العتكيّة قالت :
رأيت أباك ضيغما نزل ذات ليلة من فوق البيت بكوز قد برّد له ، فصبّه ثم أخذ من الحبّ « 2 » ماء حارّا ، فشرب ، فقلت له بعد ذلك : بأبي أنت ، قد رأيت الذي صنعت ، فممّ ذاك ؟ قال : حانت منّي مرّة نظرة إلى امرأة ، فجعلت على نفسي أن لا تذوق الماء البارد أيّام الدنيا . قلت : أنغّص عليها الحياة « 3 » .
وقال مالك : حدّثني مولانا أبو أيّوب قال : قال لي أبو مالك يوما :
يا أبا أيّوب ، احذر نفسك على نفسك ، فإنّي رأيت هموم المؤمنين في الدنيا لا تنقضي ، وأيم اللّه ، لئن لم تأت الآخرة المؤمن بالسّرور ، لقد اجتمع عليه الأمرّان : همّ الدنيا ، وشقاء الآخرة . قلت : بأبي أنت ، وكيف لا تأتيه الآخرة بالسرور وهو ينصب للّه في دار الدنيا ويدأب ؟ قال : يا أبا أيوب ، وكيف بالقبول ؟ وكيف بالسلامة ؟ ثم قال : كم من رجل يرى أنّه قد أصلح شأنه « 4 » ، قد أصلح قربانه ، قد أصلح همّته ، قد أصلح عمله ، يجمع ذلك يوم القيامة ، ثم يضرب به وجهه « 5 » .
وقال يحيى بن بسطام : قلت لجار لضيغم : سمعت أبا مالك يذكر من
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 3 / 359 .
( 2 ) الحبّ : الجرّة الكبيرة .
( 3 ) صفة الصفوة 3 / 359 - 360 .
( 4 ) جملة « قد أصلح شأنه » مكررة في الأصل .
( 5 ) صفة الصفوة 3 / 360 ، والكواكب الدرية 1 / 126 .