به سائل إلّا أعطاه ما يتهيّأ له ، حتى يضع في يد أحدهم البصلة . قالت :
فأصبحنا ذات يوم وليس في بيته شيء من الطعام ، وليس عنده إلّا ثلاثة دنانير . فوقف به سائل فأعطاه دينارا ، ثم وقف به سائل فأعطاه دينارا ، [ ثم وقف به سائل فأعطاه دينارا ] « 1 » .
قالت : فغضبت وقلت : لم يبق لنا شيء ! فاستلقى على فراشه ، وأغلقت عليه باب البيت حتى أذّن المؤذّن للظهر ، فجئت فأيقظته ، فراح إلى مسجده صائما ، فرققت عليه ، فاستقرضت ما اشتريت به عشاء ، فهيّأت له عشاء وسراجا ، ووضعت مائدة ودنوت من فراشه لأمهّده له ، فرفعت المرفقة « 2 » فإذا بذهب ، فقلت في نفسي : ما صنع ما صنع إلّا ثقة بما جاء به ، فعددتها فإذا ثلاث مائة دينار ، فتركتها على حالها حتى انصرف عن العشاء ، فلمّا دخل ورأى ما هيّأت له حمد اللّه وتبسّم في وجهي وقال : هذا خير من غيره ، فجلس فتعشّى ، فقلت : يغفر اللّه لك ، جئت بما جئت به ، ثم وضعته بموضع مضيعة ؟ فقال : وما ذاك ؟ فقلت : ما جئت به من الدنانير ، ورفعت المرفقة عنها ، ففزع لما رأى تحتها وقال : ويحك ما هذا ؟ قلت : لا علم لي به ، إلّا أنّي وجدته على ما ترى . قالت : فكثر فزعه « 3 » .
وقال سليمان بن حبيب : دخلت على أبي أمامة مع مكحول ، وابن أبي زكريّا ، فنظر إلى أسيافنا فرأى فيها شيئا من وضح « 4 » . فقال : إنّ المدائن والأمصار فتحت بسيوف ما فيها الذّهب ولا الفضّة . فقلنا : إنّه أقلّ من ذلك .
فقال : هو ذاك ، أما إنّ الجاهلية كانوا أسمح منكم ، كانوا لا يرجون على الحسنة عشر أمثالها ، وأنتم ترجون ذلك ولا تفعلونه « 5 » .
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفين مستدرك من صفة الصفوة 1 / 735 .
( 2 ) المرفقة : المخدّة .
( 3 ) صفة الصفوة 1 / 734 - 736 .
( 4 ) الوضح : حليّ من الفضّة . متن اللغة ( وضح ) .
( 5 ) مختصر تاريخ دمشق 11 / 81 .