أورث قبضا ، أو زمان أنس أورث وحشة . وأنشأ يقول :
قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم * فكدّرته يد الأيّام حين صفا « 1 »
وقال : الزم العلم ولو ورد عليك من الأحوال ما ورد . ويكون العلم مصحوبك ، والأحوال تندرج فيك وتنفد ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ يقول :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
[ آل عمران : 7 ] « 2 » .
وقال أبو الحسين الدرّاج : ذكر الجنيد أهل المعرفة باللّه وما يراعونه من الأوراد والعبادات ، بعد ما ألطفهم اللّه به من الكرامات ، فقال : العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رؤوس الملوك « 2 » .
وكتب إلى بعض إخوانه : اعلم رضي اللّه عنك أنّ أقرب ما استدعى به قلوب المريدين ، ونبّه به عقول الغافلين ، وزجرت عنه نفوس المختلفين ، ما صدّق فيه الأقوال جميل ما اتّبع به من الأفعال ، فهل يحسن يا أخي أن يدعو داع إلى أمر لا يكون عليه شعاره ، ولا تظهر منه زينته وآثاره ، وأن لا يكون قائله عاملا فيه بالتحقيق ، وبكلّ فعل بذلك القول يليق ، وأنّ من دعا إلى الزّهد وكان من الراغبين ، وأمر بالتّرك وكان من الآخذين ، وأمر بالجدّ في العمل وكان من المقصّرين ، وحثّ على الاجتهاد ولم يكن من المجتهدين ، إلا قلّ قبول المستمعين لقوله ، ونفرت قلوبهم لما يرون من فعله ، وكان حجّة لمن جعل التأويل سببا إلى اتباع هواه ، ومسهّلا لسبيل من آثر آخرته على دنياه . أما سمعت اللّه يقول وقد وصف نبيّه شعيبا وهو شيخ الأنبياء ، وعظيم من عظماء الرسل والأولياء :
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
[ هود : 88 ] ، وقول اللّه جلّ ذكره لمحمد المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم :
قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
[ سبأ : 47 ]
هامش
( 1 ) طبقات الصوفية ص 163 ، والحلية 10 / 278 ، 279 .
( 2 ) الحلية 10 / 257 .