عبد اللّه جائزته وكسوته ؛ انصرف أبا عبد اللّه ، في حفظ اللّه وفي كنفه .
فانصرف ولحقته فقلت له : إني قد رأيت قبل ذلك ما لم تره ، ورأيت بعد ذلك ما قد رأيت ، فما قلت يا أبا عبد اللّه حين دخلت ؟ قال : قلت : اللهمّ احرسني بعينك التي لا تنام ، واكنفني بركنك الذي لا يرام ، واغفر لي بقدرتك عليّ ، فلا أهلك وأنت رجائي ؛ اللهمّ إنّك أكبر وأجلّ ممّن أخاف وأحذر ؛ اللهم بك أدفع في نحره ، وأستعيذ بك من شرّه « 1 » .
وقال اللّيث بن سعد : حججت سنة ثلاث عشرة ومائة ، فأتيت مكة ، فلما أن صلّيت العصر رقيت أبا قبيس « 2 » ، فإذا أنا برجل جالس وهو يدعو فقال : يا رب ! يا رب ! حتى انقطع نفسه ، ثم قال : يا ربّاه ! يا ربّاه ! حتى انقطع نفسه ، ثم قال : ربّ ربّ ربّ ! حتى انقطع نفسه ، ثم قال : يا اللّه ! يا اللّه ! حتى انقطع نفسه ، ثم قال : يا حيّ ! حتى انقطع نفسه ثم قال : يا رحيم ! حتى انقطع نفسه ، ثم قال : يا أرحم الراحمين ! حتى انقطع نفسه ، سبع مرات .
ثم قال : اللهمّ إني أشتهي من هذا العنب فأطعمنيه . اللهمّ وإنّ برديّ قد أخلقا . قال الليث : فو اللّه ما استتمّ كلامه حتى نظرت إلى سلّة مملوءة [ عنبا ] وليس على الأرض يومئذ عنب ، وبردين موضوعين ، فأراد أن يأكل فقلت :
أنا شريكك . فقال : ولم ؟ فقلت : لأنّك كنت تدعو وأؤمّن عليك « 3 » أنا .
فقال لي : تقدّم كل ولا تخبأ منه شيئا . فتقدّمت فأكلت شيئا لم آكل مثله قطّ ، وإذا عنب لا عجم له « 4 » ، فأكلت حتى شبعت والسلّة لم تنقص شيئا .
ثم قال : خذ أحبّ البردين إليك . فقلت : أما البردان فأنا عنهما غنيّ . فقال لي : توار عني حتى ألبسهما . فتواريت عنه فأتزر بأحدهما وارتدى بالآخر .
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 2 / 172 ، 173 .
( 2 ) أبو قبيس : جبل مشرف على مكة . انظر معجم البلدان 1 / 80 .
( 3 ) ليست اللفظة في ( ل ) .
( 4 ) العجم : نوى كلّ شيء .