فدفعته إليه ، فضمّه إلى صدره ثم قال : ليكونن اليوم لي ولك شأن . ففقدته ذلك اليوم فلم أره يخرج ، فأقمت للمغرب فلم يخرج ، وأقمت لعشاء الآخرة فلم يخرج ، فساء ظني ، فلما صلّيت العشاء الآخرة جئت إلى الدار التي هو فيها ، فإذا فيها دلو ومطهرة ، وإذا على بابه ستر ، فدفعت الباب ، فإذا به ميت والمصحف في حجره ، فأخذت المصحف من حجره واستعنت بقوم على حمله حتى وضعناه على سريره ؛ وبقيت ليلتي أفكّر من أكلّم حتى يكفّنه ؛ فأذّنت للفجر بوقت ، ودخلت المسجد لأركع ، فإذا بضوء في القبلة ، فدنوت منه ، فإذا كفن ملفوف في القبلة ، فأخذته وحمدت اللّه عزّ وجلّ وأدخلته البيت وخرجت ، فأقمت الصلاة ، فلما سلّمت إذا عن يميني ثابت البناني ، ومالك بن دينار ، وحبيب الفارسي ، وصالح المرّي فقلت لهم : يا إخواني ! ما غدا بكم ؟ قالوا مات في جوارك الليلة أحد ؟ قلت : مات شابّ كان يصلّي معي الصلوات . فقالوا لي : أرناه . فلما دخلوا عليه كشف مالك بن دينار الثوب عن وجهه ، ثم قبّل موضع سجوده ثم قال : بأبي أنت يا حجّاج ، إذا عرفت في موضع تحوّلت منه إلى موضع غيره حتى لا تعرف ! خذوا في غسله . وإذا مع كلّ واحد منهم كفن ، فقال كلّ واحد : أنا أكفّنه .
فلما طال ذلك منهم قلت لهم : إني أفكرت في أمره هذه الليلة فقلت : من أكلّم حتى يكفنه ؟ فأتيت المسجد فأذّنت ثم دخلت لأركع ، فإذا كفن ملفوف لا أدري من وضعه . فقالوا : يكفّن في ذلك الكفن . فكفّنّاه وأخرجناه ، فما كدنا نرفع جنازته من كثرة من حضره من الجمع « 1 » .
رحمة اللّه تعالى عليه .
* * *
هامش
( 1 ) الخبر في صفة الصفوة 3 / 355 - 357 .