جارى السوابق بمصيّه وفاخر غالبا بعطيه « 1 » . أبو نواس ، حزم القياس ، وترك السّيرة الأولى ونكب عن الطريقة المثلى « 2 » ، وجعل الجدّ هزلا ، والصّعب سهلا ، وصادف الأفهام قد كلّت ، ونكلت ، وأسباب العربية قد نحلت « 3 » ، وانحلّت ، والفصاحات الصحيحة قد سئمت وملّت ، فمال الناس إلى ما عرفوه ، وعلقت نفوسهم بما ألقوه فتهادوا شعره ، وأغلوا سعره ، وشغفوا بأسخفه ، وفتنوا بأضعفه ، وقد فطن باستضعافه ، وخاف من استخفافه ، فاستطرد بفصيح طرده « 4 » .
ومن شعر ابن شهيد قوله من قصيدة أولها :
طرقنك بالدهنا وصحبك بوّم * والليل أدهم بالثريا ملجم
ومنها في مدح بنى الشامىّ وتنزيه الممدوح عن النسبة إلى بلد ولم يسبقه إليه أحد :
والشام خطتكم وليست نسبة * إلا كما نسبت إليه الأنجم « 5 »
هامش
( 1 ) غالب والد الفرزدق ، وكان كثير الفخر به لما له من مجد تليد ، وعطية والد جرير وكان خاملا مغمورا ، سأل أحد الرواة جريرا عن أشعر الشعراء ، فأخذه بيده إلى حيت كان أبوه عطية منبصحا على الأرض في هيئة رنة يرضع ثدي عنز ، وأشار إليه قائلا : أشعر الشعراء الذي فاخر بهذا ثمانين شاعرا فغلبهم .
( 2 ) نكب عنه : عدل ومال عنه .
( 3 ) من النّحول .
( 4 ) يشير إلى فن الطرديات وهو وصف فنون الصيد وقد افتن أبو نواس في هذا الفن وصاغه في قصائد عديدة من بحر الرجز طاول فيها رؤبة والعجاج وتعمد فيها الغريب .
( 5 ) يشير إلى الثريا ونسبتها إلى الشآم وفي هذا يقول عمر بن أبي ربيعة :أيها المنكح الثريا سهيلا * عمرك اللّه كيف يلتقيانهي شامية إذا ما استهلت * وسهيل إذا استهل يماني