القواد بجزيرة صقلّية فاطّلعت فيه وأطلعت في فلك الخريدة نجوم معانيه .
فأول ما بدأ فيه بوصف الكتاب ، كلام أصفى ديمة من درّ السّحاب ، وأوفى قيمة من درّ السّخاب . فمن ذلك :
هذا كتاب نظمت فريده في عقد الكرم ، وجلوت فرنده في عضب الهمم ، واستخلصت بنار الطبع تبره ، وشحذت من لسن الذهن نبره ، وأنبتّ في روض الشرف أزاهره ، وأثبت في سماء العز زواهره ، ووسمت عواتق المجد بحمائله ، ورقمت دمائث « 1 » الجمد بخمائله ، ناضرة « 2 » مشرقة اللألاء ، بل مشرفة الآلاء « 3 » . وهذا السّيّد الأيّد - وإن عظم سوره ، وكبر صوره « 4 » ؛ وشرف نسبه ، وظرف نصبه « 5 » ، واجتلى من مجالس الفضل ، ومغارس النبل - منتدى صدور إيوانها « 6 » ، ومبتدأ سطور ديوانها ، فإن مثلي وإياه كراعى سنين عجاف ، وداعى مسبتين لإيجاف « 7 » ، طواه إدقاع ، وأجراه صفصف قاع ، فاحتل بوهد ، رهين جهد ، ماله بالسحاب وأذيال السحاب من عهد ، قد لفته النكباء في شملتها ، وأتلفته بتفصيلها وجملتها ، فلما « 8 » يبست مراتعه ، ويبست مطامعه ، أتت أكيلة ليث فسامها ، وعنّت مخيلة غيث فشامها ، وأصاخ ليستمع أين موقعه ، وينتجع ما ينفعه ، وإذا هو نبت ، في رمل خبت ، قد أرضعته بدرّها الأمطار ، ورصّعته بدرّها الأزهار ، واندفقت « 9 » أنهاره ، وسجعت أطياره ، بما خرق له مخارق « 10 »
هامش
( 1 ) دمائث : جمع دميثة وهي ما سهل ولان من الأرض .
( 2 ) في الأصل : حادرة .
( 3 ) في الأصل : اللألاء .
( 4 ) الصور : النفير الذي ينفخ فيه .
( 5 ) النصب : حدود البيت ، وهي كناية .
( 6 ) في الأصل كيوانها .
( 7 ) المسبت : الذي لا يتحرك ، والإيجاف : الاضطراب والحركة ، وفي المثل أوجف فأعجف وفي الأصل : لا يخاف .
( 8 ) في الأصل : فلا .
( 9 ) في الأصل : اندفعت .
( 10 ) مخارق : مغن مشهور في العصر العباسي .