تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خريدة القصر وجريدة العصر — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
بعساكره ، وخيّم بدساكره ، فنوّرنا ظلمه بغرر الجمع ، وطعنّا بهمّه بأسنّة الشّمع . ولم نزل كذلك إلى أن هبّ النسيم ، وسكر النديم ، ورقّ من الليل الأديم وامتدّ الضياء ولاح ، وغرّد الطائر وتاح « 1 » ، وانفرقت طرّة الظلام عن جبين الصباح . ونادى المؤذّن : حيّ على الفلاح ، ونحن ما بين قتيل من كاسه ، صريع من نعاسه ساه عن جلّاسه ، لاه بوسواسه ، همود جمود خمود ، لا نسمع لنا ركزا ، ولا يكلم بعضنا بعضا إلّا رمزا .
غيّبتنا شواهد الصّهباء * وتلاها سماع طيب الغناء
فبقينا صرعى سماع وسكر * واعترانا خطبا بقا وفناء
من رآنا رأى مناظر أموا * ت وفينا مخابر الأحياء
قد كملت أدوات الفرحة ، وعزمنا على الصّبحة « 2 » ، إذ طرقنا مخبّر ، وبما شاهده لنا مبشّر . فسألناه عن قصته وما وراه ، وحقيقة ما عاينه ورواه ، فقال : العجائب لا تورد على وهلة ، والغرائب تفتقر في وصفها « 3 » إلى مهلة ، والعجول ما يحمد فعله ، والرائد لا يكذب أهله . رأيت صيدا لا يصيده إلا الصّناديد ، ولا يناله إلا الصّيد ، في مكان لا أصفه إلّا بالحصر عن صفته ، ولا أعرفه إلّا بالجهل من معرفته ، فأصغينا نحوه ، ونحونا صغوه ، وملنا عن الاصطباح إلى الاصطياد ، وأمرنا بإصلاح الزاد . فحين سفرت الشمس وحسرت نقابها ، ورفعت عنها يد النهار حجابها ، أسرجت الخيول ، وأجريت كأنها السيول ، واستصحبنا كلّ جارحة وجارح ، وركبنا كلّ سابحة وسابح .
هامش
( 1 ) تاح : تمايل . ولعلها : ناح . ( 2 ) الصبحة : ما تعللت به غدوة . ( 3 ) في الأصل : وضعها .