نحوا من عشرين سنة بدانية وبلنسية . ونشأ في حجره ، لأنه خلف على أمه بعد أبيه ، وأخذ عنه القراءات عرضا ، وسمع منه جل رواياته ، وهو أثبت الناس فيه ، وصارت إليه أصوله العتيقة في فنون العلم بخطه ، وكان أبو داود قد كتب الكثير ، وسمع أيضا من أبي محمد الركلي :
صحيح البخاري ، وغيره ، ومن أبي عبد اللّه بن عيسى مختصر الطليطلي في الفقه ، وقد سمع أيضا من أبي الحسن طارق بن يعيش : صحيح مسلم وسنن أبي داود ومن رواية اللؤلؤي والشهاب للقضاعي . وحدث به عنه ، وسمع من أبي عبد اللّه بن سعادة من أصحابه جامع الترمذي ، وأجاز له : أبو بكر خازم بن محمد ، وأبو الحسن بن البياز ، وأبو علي بن سكرة الصدفي ، وغيرهم . كان منقطع القرين في الفضل والدين والورع والزهد والصلاح ، مع الثقة والعدالة والتواضع والإعراض عن الدنيا والتقلل منها ، صواما قواما ، كثير المعروف والصدقة ، وكانت له ضيعة بغربي بلنسية وبمليلة من جزء الرصافة منها ، فإذا خرج لتفقدها صحبه الطلبة إليها ، فمن قارئ عليه هنالك ، ومن سامع للحديث ، ومتحمل للرواية ، وهو منشرح الصدر منطلق الوجه طويل الاحتمال ، على فرط ملازمتهم وإتيانهم إياه ليلا ونهارا ، ولا يسأم ولا يضجر في الكبرة ولا قبلها وأسن وعمر طويلا ، وهو آخر من حدث عن أبي داود بالأندلس ، منفردا بلقائه والسماع منه ، أزيد من عشرين سنة . وكان حسن الخط والضبط ، وانتهت إليه الرئاسة في صناعة الإقراء عامة عمره ، لعلو روايته وصحتها ، وإمامته في التجويد والإتقان ، وشهرة عدالته وزهادته ، أخذ الناس عنه كثيرا وانتفعوا به طويلا ، وحدث عنه جلة لا يحصون كثرة من شيوخنا وشيوخهم ، واعتنوا بالرحلة إليه ليسمعوا منه ، وخصوصا كتب القراءات التي انفرد بحملها من طريق أبي داود عن أبي عمرو ، وأقرأ ببلنسية ، وأسمع نيفا على ستين سنة نفعه اللّه بذلك . . . « 1 » وحدثني بها غير واحد عنه ، قال :
سمعت أبا محمد عبد اللّه بن محمد بن سعيد . . . يقول : سمعت . . . سليمان بن خلف . . . يقول :
كان لشيخنا أبي إسحاق الشيرازي ببغداد ، مجلس بالمسجد الجامع بها ، وكان لا يأتي إلا وقاموا له ، فلما ورد أبو العلاء المعري ببغداد ، قاده قائده ذات يوم ، فأنزله بمجلس أبي إسحاق قبل وصوله إليه ، فلما جاء على عادته ونظر إليه قاعدا فيه ، قال : من الحمار القاعد لنا في مجلسنا ؟
فقال له أبو العلاء على البديهة : إنما الحمار ، الذي لا يعرف للحمار مائة اسم ، فقال له أبو إسحاق : هل أنت أبو العلاء المعري ؟ قال له : نعم . قال : اقعد فأنت أحق به مني . مولده بعد السبعين والأربعمائة ، وقال أبو عبد اللّه الأندرشي شيخنا أخبرني أن مولده عام واحد وسبعين وأربعمائة . وقال أبو الخطاب بن واجب أخبرني أن مولده عام سبعين وأربعمائة أو بعدها بعام ، لم يتحقق ذلك ، وتوفي عن سن عالية تنيف على التسعين ، بعد صلاة الظهر يوم الخميس
هامش
( 1 ) بياض في الأصل .