عنهم خمس وثمانون وكان عالما حافلا راوية مكثرا يتحقق بالقراءات والفقه ويشارك في الحديث والأصول مع البصر بالفتوى ووجوهها والضبط للروايات وتحصيلها والتنبيه على مواضع الخلاف وحفظها والاعتناء بجميع الأقاويل وإحصائها ، خرج من بلده في الفتنة الواقعة في الأندلس سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ، فاستوطن مرسية وولي بها خطة الشورى من قبل القاضي أبي العباس بن الحلال قدمه إلى قضاء بلنسية في رجب سنة ست وأربعين فلم تطل مدة ولايته بها ، أقام واليا إلى أول شوال منها وخرج مستعفيا عنها لانتزاء عبد الملك بن شلبان فيها أو ابن حامد قبله على الأمير محمد بن سعد وأداء ذلك إلى حصارها الشديد في سنة سبع بعدها وعاد إلى مرسية وأقام بها إلى أن نكب ابن الحلال فصرفه السلطان حينئذ عما كان بيده من الخطط ثم راجع فيه جميل رأيه لما كان عليه من الانقباض وعدم التلبس بالدنيا وكثرة الدءوب على الإقراء والتدريس والإسماع ، وكان في وقته أحد حفاظ الأندلس في المسائل مع المعرفة بالآداب والأغربة إلى الضبط وجودة الخط وكانت أصوله أعلاقا نفيسة لا نظير لها جمع منها عظيما وكتب بخطه أكثرها . قال التجيبي : ذكر لي من علمه وفضله ما أزعجني إليه يعني بمرسية فلقيت عالما كبيرا ووجدت عنده جماعة وافرة من شرق الأندلس وغربها يتدارسون الفقه ويتذاكرون بين يديه ويسمعون عليه الحديث ويتلون كتاب اللّه بالقراءات السبع إفرادا وجمعا ، وحكى أنه قرأ عليه بها وبرواية يعقوب واستظهر عليه التيسير لأبي عمر المقرئ والملخص للقابسي ، وسمع منه غير ذلك وقال وكان يؤم بجامع مرسية تاليا لأبي القاسم بن حبيش وأبي عبد اللّه بن حميد يؤم كل واحد منهم أسبوعا ويتناوب صاحباه في الخطبة دونه وكان حسن الصوت بالقرآن ، وأطال الثناء عليه وأطاب . وكان أهلا لذلك ، أخذ عنه الناس وانتفعوا به وحدثنا عنه جماعة من جلة شيوخنا ، وتوفي بإشبيلية في وفادته عليها مع وجوه أهل مرسية في النصف من ليلة يوم الثلاثاء التاسع عشر لشوال سنة سبع وستين وخمسمائة ، وصلّى عليه ابن حجاج بعد صلاة العصر من يوم الثلاثاء المذكور ودفن بمقبرة النخيل ، واحتمل إلى غرناطة في يوم السبت بعده فدفن بها أفادني ذلك بعض شيوخنا عن عبد المنعم ابنه وقرأت بخط أبي عمرو بن عيشون المرسي أنه سأله عن مولده فقال له : ليلة السبت قبل الفجر لثمان بقين من صفر سنة إحدى وخمسمائة .
1422 - محمد بن عبد اللّه بن ميمون بن إدريس بن محمد بن عبد اللّه العبدري « 1 »
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 2 / 140 .