قطر متمم للاقطار الأخرى ، فإذا كانت خراسان خصت برجال الحكمة ، فان الأقطار السائرة أخرجت رجالا في فروع العلم غير قليلة وإذا امتازت دمشق مثلا بمؤرخيها وشعرائها ومحدثيها فان بغداد امتازت بفقهائها ومؤدبيها وندمائها .
ترجم البيهقي من ترجم لهم بايجاز على الأكثر ، وقد توسع في ترجمة ابن سينا خاصة وأوجز في الترجمة للفارابي والبيروني والرازي وابن الهيثم وابن سهلان والراغب ومسكويه والبتاني وأبي زيد البلخي والبوزجاني ويحيى بن عدي وحنين ابن إسحاق وابن الضبي . وأنا لنجد من الاخبار في هذه التراجم المختصرة ما لا نجد من تراجمهم في بعض كتب السير المطولة . ومن أهم ما حرص على ذكره ما أثر لهم من حكم لطيفة اهتم بالتقاطها أكثر من اهتمامه بتدوين سني ولاداتهم ووفياتهم .
وقد يغفل ترجمة الرجل ويكتفى بنقل ما عزي اليه من كلام جميل ، وكثيرا ما يذكر الرجل بكنيته فقط ولا يعني بتحقيق اسمه واسم أبيه وقد يذكر أم الرجل كما يذكر أباه ، ومن التراجم ما جاء مبتورا ليس فيه كبيرة فائدة ، وهذه قليلة في الكتاب .
رتب المؤلف تأليفه بحسب القدم لا بحسب حروف المعجم ولا بحسب أقطار العلماء الذين ذكرهم وختم سفره بمن عاصرهم وعاشرهم ؛ وجود في هذا الباب لأنه كان يضرب بسهم وافر في الحكمة وعاش مع أهلها واطلع على مكنوناتهم فتم كلامه فيهم عن ذوق ومعرفة . والقسم الذي استغرق أكثر صفحات الكتاب هو في الواقع الجزء البارز منه دون فيه المؤلف ما طاب له تدوينه لم يأخذ عن مؤلف سابق ولا عن كتاب معروف ، وكان في تدوينه صادقا لولا ان غلا في مدح العمري الخوارزمشاهي غلوا ظاهرا . والناس منذ كانت الدنيا يدهنون لأرباب المظاهر وأصحاب السلطان وهذا ما يستغرب من حكيم كالبيهقي وهل هو الا ابن البيئة الفارسية . وقد صور لنا كيف كانت تعج نيسابور وأصفهان وجرجان وزنجان وشيراز ومرو والري وبلخ وغزنة بالحكماء ، هذا وهو لم يترجم لغير النابهين ، وهناك المغمورون ، وهناك الشادون ممن لم يكتب لهم حظ الانضمام إلى المترجم لهم . علمنا
تاريخ حكماء الاسلام — صفحة 8
مساهمون: علي بن زيد البيهقي
ص٨