يديه من الحشيش ميلا في ميل « 1 » .
وقال : مررت بمفازة بالمغرب عشرين يوما ، ما رأيت فيها آدميا ، ولم آكل من الدّنيا شيئا إلّا شربة ماء ، فبينا أنا أسير إذ لاح لي شيخ قائم يصلّي ، فقربت منه ، وقلت : السّلام عليك ورحمة اللّه وبركاته ، فسلّم وردّ السّلام ، فقلت : من أنت ؟ فقال : خليل خليل اللّه إبراهيم ، كان مسكني في الهواء من وقت إبراهيم عليه السّلام حين رموه في النّار . فقلت له : بماذا نلت هذه المنزلة ؟ فقال لي : يا أبا عبد اللّه ، توكّل ، فما في المملكة شيء أعزّ من التّوكّل . قلت له : وما التّوكّل ؟ فقال : النّظر إليه بلا عين تطرف ، ولسان ذاكر بلا حركة ، ونفس جوّالة بلا روح . ثمّ سلّم عليّ ؛ فإذا هو في الهواء .
وقال إبراهيم بن شيبان : كنت مع أبي عبد اللّه المغربي بالمغرب ، وكان له صديق بزّاز ، فلمّا كان ذات يوم بعث بغلامه إلى أبي عبد اللّه ، فقال له : ههنا شيء لك فيه فائدة . فقام أبو عبد اللّه ، وقمت معه إلى حانوت ذلك الرّجل ، فلمّا دخلنا وجلسنا أخرج سفطا فيه منديل كتّان ، وفي وسطه ثلاث خوخات ما رأيت أكبر منها ولا أحسن بياضا منها ، وعلى جانب منها مكتوب بخضرة : لا إله إلّا اللّه ، وعلى الجانب الآخر :
محمد رسول اللّه ، الثّلاث خوخات بهذه الكتابة « 2 » ، كأنّه قد كتب بالقلم ، قال إبراهيم : فقلت للتاجر : أيش ، تتعجّب من هذا ؟ فإنّ مثل هذا موجود عندنا ، يكتب على التّفاح في الشّجر ، فتبقى الكتابة على ذلك . فبتسّم التّاجر ، وقال : يا أبا إسحاق ، ليس ذا من ذاك ، يا غلام ، هات السّكين .
فناوله سكينا ، وبقي يقطع الخوخ سافا سافا « 3 » حتّى وصل العجم ، وإذا هو مكتوب : لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه خلقا .
هامش
( 1 ) المختار 4 / 356 ، 357 ، روض الرياحين الحكاية ( 217 ) .
( 2 ) في ( ب ) : بهذه المثابة الكتابة .
( 3 ) الساف في البناء كل صف من اللبن . ومعناها هنا : كل طبقة من طبقات الخوخ .