وبين يديه رجل ، وعليه مصحف يقرؤه ، وإذا هو شيخ بهيّ ، حسن الوجه واللّحية ، فدنوت منه وسلّمت ، فردّ السّلام ، وقال : من أين ؟ فقلت : من بغداد ، قصدت زيارة الشّيخ . فقال : لو أنّ في بعض البلدان قال لك إنسان : أقم عندي حتّى أشتري لك دارا وجارية ، أكان يمنعك عن زيارتي ؟
قلت : يا سيّدي ، ما امتحنني اللّه بشيء من ذلك ، ولو كان ، لا أدري كيف كنت أكون . فقال أتحسن أن تقول شيئا . فقلت : نعم . فقلت :
رأيتك تبني دائبا في قطيعتي * ولو كنت ذا حزم لهدّمت ما تبني
وقال :
كأنّي بكم والليت أفضل قولكم * ألا ليتنا كنّا إذا الليت لا تغني « 1 »
فأطبق المصحف ، ولم يزل يبكي حتّى بلّ لحيته وثوبه ، حتّى رحمته من كثرة بكائه ، ثمّ قال لي : يا بني ، تلوم أهل الرّيّ على قولهم :
يوسف بن الحسين زنديق ! ومن وقت الصّلاة هو ذا أقرأ القرآن لم تقطر من عيني قطرة ، وقد قامت عليّ القيامة بهذا البيت « 2 » .
وسئل : ما بال الإنسان يكون هادئا ، فإذا سمع القرآن اضطرب « 3 » لذلك ؟ فقال : لمّا خلق اللّه العقول ، جعل فيها لطيفة ، وتلك اللّطيفة « 4 » تميل بهم إلى كلّ جميل وإلى كلّ حسن مستحسن ، وتأخذ منهم النّغمة الطّيبة الأخذ الشّديد ، من أجل أنّ اللّه خاطبهم في القدم ، فهم أبدا يطلبون ما أبدى لهم في الجنة عزّا ، ويحن لهم ذلك التّذكر « 5 » ، قال اللّه عز وجل :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ . . .
الآية [ الأعراف : 172 ] .
هامش
( 1 ) البيت ليس في ( أ ) .
( 2 ) حلية الأولياء 10 / 240 ، تاريخ بغداد 14 / 317 ، الرسالة القشيرية 478 ( السماع ) المختار 5 / 184 .
( 3 ) في ( ب ) : فإذا سمع اضطرب .
( 4 ) في ( ب ) : العقل ، جعل فيه لطيفة ، وبتلك اللطيفة .
( 5 ) في ( ب ) : ويحق لهم ، انظر كيف قال اللّه .