ما رأيته ذكر اللّه على حدّ الغفلة والانبساط ، وما كان يذكر إلّا على سبيل الحضور والتّعظيم والحرمة ، وكان إذا ذكر اللّه تغيّر عليه حاله ، حتّى كان يرى ذلك منه جميع من حضره « 1 » .
وقال مرّة وقد ذكر اللّه وتغيّر حاله ، فلمّا رجع قال : ما أبعد ذكرنا عن ذكر المحقّقين ! وما أظنّ محقّقا يذكر اللّه على غير غفلة ، ثمّ يبقى بعد ذلك حيّا إلّا الأنبياء عليهم السّلام ؛ فإنّهم أيّدوا بقوّة النّبوّة ، وخواصّ الأولياء بقوة ولايتهم « 1 » .
وقال أبو عثمان : كنّا مع أستاذنا أبي حفص خارج نيسابور ، فتكلّم علينا الشّيخ ، فطابت نفوسنا ، فإذا بأيّل « 2 » قد نزل الجبل ، وبرك بين يدي الشّيخ ، فأبكاه ذلك بكاء شديدا ، وذهب الأيّل ، فلمّا سكن الشّيخ ، سألناه : فقلنا له : يا أستاذ ، ما الذي أزعجك ، وأيش الخبر ؟ قال : لمّا رأيت اجتماعكم حولي ، وقد طابت نفوسكم « 3 » ، وقع في نفسي : لو أنّ لي شاة ذبحتها لكم ، ودعوتكم عليها ، فما استقرّ هذا الخاطر في نفسي حتّى جاء هذا الأيّل ، فبرك بين يديّ ، وقال بلسان الإشارة : احكم فيّ بما شئت . فخيّل إليّ أنني مثل فرعون الذي سأل اللّه أن يجري له النّيل ، فأجراه له مع حافر فرسه . فقلت : ما يؤمنني أن يكون اللّه موفّيني كلّ حظّ في الدّنيا ، وأبقى في الآخرة فقيرا لا شيء لي ، فهو الذي أزعجني « 4 » .
وقال : من هوان الدّنيا عليّ أنّي لا أبخل بها على أحد ، ولا أبخل بها على نفسي لاحتقارها واحتقار نفسي عندي « 5 » .
هامش
( 1 ) طبقات الصوفية 116 .
( 2 ) الأيّل : الذكر من الأوعال . اللسان ( أول ) .
( 3 ) في ( ب ) : طابت نفسي .
( 4 ) صفة الصفوة 4 / 121 ، طبقات الأولياء 250 ، المختار 4 / 121 .
( 5 ) طبقات الصوفية 117 .