الرّحلة ، وغد ، فإنّما في يديك تأميله ، ولعلّك من غير أهله ، ثمّ قال : أمس أجل ، واليوم عمل ، وغدا أمل « 1 » .
وقال الجنيد : سمعت سريّا يقول : بدوت يوما من الأيام وأنا حدث ، فطاب وقتي ، وجنّ عليّ اللّيل ، وأنا بفناء جبل لا أنيس به ، فناداني في جوف اللّيل مناد : لا تدور القلوب في الغيوب ، حتّى تذوب النّفوس من مخافة فوت المحبوب . قال : فتعجّبت ، وقلت : أجنّيّ يناديني ، أو إنسيّ ؟
فقال : بل جنّيّ مؤمن باللّه ، ومعي إخواني . قلت : فهل عندهم ما عندك ؟
قال : نعم ، وزيادة . قال : فناداني الثّاني منهم : لا تذهب من البدن الفترة ، إلّا بدوام الغربة . قال : فقلت في نفسي : ما أبلغ كلامهم ! فناداني الثّالث منهم : من أنس به في الظّلام ، نشر له غدا الأعلام . قال : فصعقت ، فما أفقت إلّا برائحة الطّيب ، فإذا نرجسة على صدري ، فشممتها ، فأفقت ، فقلت : وصية ، رحمكم اللّه . فقالوا جميعا : أبى اللّه عزّ وجلّ أن يحيي به إلّا قلوب المتّقين ، فمن طمع في غير ذلك ، فقد طمع في غير مطمع ، ومن اتّبع طبيبا مريضا ، دامت علّته ، ومن اتّبع الدّليل الحائر ، رجع وهو كليل ، وفّقنا اللّه وإيّاك . وودّعوني ومضوا ، وقد أتى عليّ حين ولا أزال أرى بركة كلامهم موجودة في خاطري .
وقال : تطرب قلوب المحبّين عند السّماع ، وتخاف قلوب المذنبين ، وتتلهّب قلوب المشتاقين « 2 » .
وروي أنّه أنشد يوما :
لا في النّهار ولا في اللّيل لي فرج * فما أبالي أطال اللّيل أم قصرا
لأنّني طول ليلي هائم دنف * وبالنّهار أقاسي الهمّ والفكرا « 3 »
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 2 / 383 ، المختار 2 / 491 . وتقدم قوله : أمس أجل . . صفحة 18 منسوبا للفضيل .
( 2 ) تهذيب الأسرار 333 ، المختار 2 / 491 .
( 3 ) البيت الأول في نفحات الأنس 80 .