وقال ابن أبي الورد : كان سريّ يأمرنا بالعزلة والوحدة ، وترك مجالسة النّاس ، فاعتلّ ، فعدته عيادة السّنّة - يعني بين كلّ ثلاثة أيام - فنظرت في وجهه ، فرأيت على لسانه شيئا ، فهملت عيناي وسقط من دموعي على وجهه ، ففتح عينيه ، ونظر إليّ ، فقلت له : رحمك اللّه ، أوصني بشيء أحفظه عنك . فقال : احذر ، ثمّ احذر معاشرة الأشرار « 1 » ، ولا تشتغل عن اللّه بمجالسة الأخيار . وكان ذلك آخر كلامه « 2 » .
وقال ابن مسروق : سمعت سريّا يقول : بينا نحن نسير في بلاد الشّام ، إذ ملنا عن الطّريق إلى ناحية جبل عليه عابد ، فجئنا إليه ، فوجدناه يبكي ، قال سريّ : فقلت له : ما أبكى العابد ؟ فقال : ما لي لا أبكي وقد توعّرت الطّريق « 3 » ، وقلّ السّالكون فيها ، وهجرت الأعمال ، وقلّ الرّاغبون فيها ، ورفض الحقّ ، ودرس هذا الأمر ، فلا أراه إلّا في لسان كلّ بطّال ينطق بالحكمة ، ويفارق الأعمال ، قد افترش الرّخص ، وتمهّد التّأويل ، واعتلّ بذلك العاصون . ثمّ صاح صيحة ، وقال : كيف سكنت قلوبهم إلى روح الدّنيا ، وانقطعت عن روح ملكوت السّماوات ؟ ثمّ ولّى صارخا وهو يقول : واغمّاه من فتنة العلماء ، واكرباه من حيرة الأدلّاء . وجال جولة ، ثمّ قال : أين الأبرار من العبّاد ؟ بل أين الأخيار من الزّهّاد ؟ ثمّ بكى ، وقال :
شغلهم واللّه طول الوقوف ، وهمّ الجواب عن ذكر الجنّة والنّار ، وذكر الثّواب . ثمّ قال : أنا أستغفر اللّه من شهوة الكلام ، تنحّوا عنّي . فجلس يبكي ، وقد ملئنا منه غمّا وهمّا « 4 » .
وقال : الدّهر ثلاثة أيام : يوم مضى بؤسه وشدّته وغمّه لم يبق منه شيء ، واليوم الذي أنت فيه صديق مودّع لك ، طويل الغيبة عنك ، سريع
هامش
( 1 ) في ( ب ) : احذر أن تعرف الأشرار ، وفي الحلية : لا تصحب الأشرار .
( 2 ) الحلية 10 / 125 .
( 3 ) في ( ب ) : الطرق .
( 4 ) صفة الصفوة 4 / 359 ، المختار 5 / 329 .