شيء أبغض إليّ من الدّنيا ، وكلّ ما أنا فيه من بركات معروف « 1 » .
وقال الجنيد : ما رأيت أعبد من السّريّ ! أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رئي مضجعا إلّا في علّة الموت « 2 » .
وقال السّريّ : التّصوف اسم لثلاث معان ، وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يتكلّم في علم الباطن ينقضه عليه ظاهر الكتاب ، ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم اللّه « 3 » .
وقال الجنيد : سألني السّريّ يوما عن المحبّة ، فقلت له : قال قوم : هي الموافقة ، وقال قوم : هي الإيثار ، وقال قوم : كذا ، وقال قوم : كذا . فأخذ السّريّ جلدة ذراعه ومدّها ، فلم تمتدّ ، ثمّ قال : وعزّته ، لو قلت : إنّ هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبّته لصدقت . ثمّ غشي عليه ، فدار وجهه كأنّه قمر مشرق ، وكان السّريّ به أدمة « 4 » .
وقال : أنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة عن قول مرّة الحمد للّه . قيل :
كيف ذلك ؟ قال : وقع حريق ببغداد ، فاستقبلني رجل ، وقال : نجا حانوتك . فقلت : الحمد للّه . فأنا منذ ذلك الوقت نادم على قولي ، حيث أردت لنفسي خيرا دون المسلمين « 5 » .
وقال : أنا أنظر في أنفي كلّ يوم مرارا مخافة أن يكون قد اسودّ ، خوفا من اللّه تعالى أن يسوّد صورتي لما أتعاطاه « 6 » .
وقال : أعرف طريقا مختصرا قصدا إلى الجنة . فقيل له : ما هو ؟ قال :
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية 43 ، وفيات الأعيان 2 / 358 .
( 2 ) الرسالة القشيرية 44 .
( 3 ) تهذيب الأسرار 25 ، الرسالة القشيرية 44 ، مختصر تاريخ دمشق 9 / 227 .
( 4 ) الرسالة القشيرية 44 ، وانظر تهذيب الأسرار 351 . والأدمة : السّمرة .
( 5 ) الرسالة القشيرية 45 .
( 6 ) الرسالة القشيرية 45 ، في ( أ ) : اتعطاء .