فصل في ذكر الأديب الأريب أبي عبد اللّه ابن قاضي ميلة [ 1 ]
وهو ممن طرأ [ 2 ] ذكره ، وانتهى إليّ شعره ، إذ ضرب في الأدب بأعلى قدح ، وافترّ عنه على أوضح صبح ، وأقام دوحه على سوقه ، وبنى المنازل [ 3 ] على سواء طريقه ، ورأيت أبا علي ابن رشيق قد ذكره في ما اندرج من كلامه في شعراء « الأنموذج » ، وأعرب عن فضائله ، وأوضح ما لم يخف من دلائله [ 4 ] ، ولعلّ بعض من يتصفح كتابي هذا يقول :
إن شعراء الأنموذج مائة شاعر وشاعرة ، وأكثرهم كان في المائة الخامسة من الهجرة ، وتقاربت موالدهم ، وتشابهت مصادرهم ومواردهم ، أفلا ذكرهم عن آخرهم ، وما له اقتصر على بعضهم دون سائرهم ؟ ! فبعض الجواب أني كثرت بهذا الكتاب عددي ، وجرّدته في محاسن أهل بلدي ، ثم عرضت بعد معارضته أبا منصور ، بذكر من هنالك من شاعر مشهور ، واجتلاب ما يتعلق بذلك من خبر مأثور ، فأشرت إلى ذكر من كان في هذا الوقت المؤرّخ ممن طال [ 5 ] طلقه ، وأشرق أفقه .
/ ولأبي عبد اللّه أشعار شاردة سارت على ألسنة الأنام ، وكتبت في جبهات [ 6 ] الأيام ، غير أنه لم يقع إليّ منها عند تحرير هذه النسخة إلا ما أثبتّ . فمن ذلك ما حدّث به أبو محمد ابن خليفة المصريّ [ 7 ] قال : لما ولي ابن البواب وزارة المعزّ بن باديس سأله أبو عبد اللّه أمرا كلفه ، فمطله فيه حتى صرفه ، فكتب إليه [ 8 ] :
أقول له إذ طيّشته رئاسة * أتت غفلة مهلا فقد غلط الدهر
ترفّق يراجع فيك دهرك عقله * فما سدت إلا والزمان به سكر
هامش
[ 1 ] سمّاه ابن خلكان ( 6 : 159 ) عبد اللّه بن محمد التنوخي وكنيته أبو محمد ؛ وفي أحد أصول ابن خلكان : « أبو عبد اللّه محمد بن محمد » ؛ وقد ترجم له في المسالك 11 : 304 ( وفيه نقل عن الذخيرة والأنموذج ) ومرّ ذكره في كتاب التعريف بالقاضي عياض : 72 ؛ وميلة التي ينتسب إليها تقع في الجزائر .
[ 2 ] المسالك : طار .
[ 3 ] المسالك : وابتنى منازله .
[ 4 ] قال فيه ابن رشيق ( كما نقل العمري ) : هو شاعر لسن مقتدر يؤثر الاستعارة ، ويكثر الزجر والعيافة ويسلك طريق ابن أبي ربيعة وأصحابه في نظم الأقوال والحكايات ( واستشهد على ذلك بفائيته ) .
[ 5 ] ص : كان .
[ 6 ] المسالك : جبهة .
[ 7 ] وردت ترجمته في الأول من القسم الرابع : 342 .
[ 8 ] المسالك : 304 .