آها وأيّة آهة تشفي جوى * قلب بنيران الصّبابة مصطلي
أبدت مفاتيح الخطوب عجائبا * كانت كوامن تحت غيب مقفل
زعموا ابن آوى فيك يعوي والصدى * بذراك يصرخ كالحزين المثكل
يا بير روطة [ 1 ] والشوارع حولها * معمورة أبدا تغص وتمتلي
يا أربعي في القطب منها كيف لي * بمعاد يوم فيك لي ومن أين لي ؟
يا لو شهدت ، إذا رأيتك في الكرى * كيف ارتجاع صباي بعد تكهّل
لا كثرة الإحسان تنسي حسرة * هيهات تذهب علّة بتعلّل
وإذا تجدّد لي أخ ومنادم * جدّدت ذكر إخاء خلّ أوّل
« لو كنت أعلم أن آخر عهدهم * يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل »
وهذا البيت لجرير ؛ وإنما تضمّنه ، وبعده قول جرير [ 2 ] :
لو كنت أحذر وشك بين عاجل * لقنعت أو لسألت ما لم يسأل
وقوله : « وإذا تجدّد لي أخ ومنادم » من قول أبي تمام :
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما القلب إلّا للحبيب الأوّل
وقال أبو الحسن الرضيّ [ 3 ] :
ما ساعدتني الليالي بعد بينكم * إلّا ذكرت ليالينا بذي سلم
وقال ابن شرف من قصيدة [ 4 ] :
كأنّ الديار الخاليات عرائس * كواسد قد أزرت بهنّ الضّرائر
وتنكر بقياها الأسرّة حسّرا * عواطل لا تفشى لهنّ السّرائر
إذا أقبل الليل البهيم تمكنت * بها وحشة منها القلوب نوافر
ولا سرج إلّا النجوم وربّما * تغطّت فسدّت جانبيها الدّياجر
يمرّ عليها المور يسحب لحفه * ولا كانس إلّا الرياح الغدائر
هامش
[ 1 ] روطة بالأندلس ، وبئر روطة بمنطقة القيروان ( أفادني ذلك صديقي العلامة إبراهيم شبّوح ) .
[ 2 ] ديوان جرير : 940 .
[ 3 ] ديوان الرضي 2 : 275 .
[ 4 ] منها ثلاثة أبيات في معجم الأدباء 19 : 42 ومعالم الإيمان وأحد عشر بيتا في النتف : 98 .