أضحى ابن عبدوس معشّق معشر * قد خلّطوا في حبّه تخليطا
فهو السراج وهم فراش حوله * يتهافتون على سناه سقوطا
وكان ابن فرج في هذه الملح من أهل البدية ، فأما طويل القصيد فقلما رأيته نجح [ 1 ] فيه . وكان يوما بقرطبة فمرّ به غلام وسيم به بعض صفرة ، فقال بعض من حضر :
إنه لمليح لولا صفرة فيه ، فقال ابن فرج [ 2 ] :
قالوا به صفرة عابت محاسنه * فقلت ما ذاك من عيب به نزلا
عيناه تطلب في آثار من قتلت * فلست تلقاه إلّا خائفا وجلا
وكان يوما مع لمة من أهل الأدب في مجلس أنس فاحتاج صاحب المنزل إلى دينار ، فوجّه عنه إلى السوق ، فدخل به عليهم غلام من أهل الصّرف ، في نهاية من الجمال [ والظّرف ] ، ورمى بالدينار إليهم من فيه تماجنا ، فقال ابن فرج [ في ذلك ] :
أبصرت دينارا بكفّ مهفهف * يزهو به من كثرة الإعجاب
أومى به من فيه ثم رمى به * فكأنه قمر رمى بشهاب
( عود إلى ابن عائشة ) [ 3 ] .
ولما أنهضه أمير المسلمين إلى بساطه ، وأوضعه في بساط العين وفسطاطه ، هبّ من مرقد خموله ، وشبّ جذوة [ 4 ] مأموله ، فبدا منه انزواء عن الحظوة ، والتواء في تسنّم تلك الربوة ، وكان له أدب واسع المدى ، يانع كالزّهر بلله النّدى ، ونظم مشرق الصفحة ، عبق النفحة ، إلّا أنه قليلا ما كان يحلّ ربعه ، ويذلّ له طبعه ، ( وقد أثبت له منه ما ) يدع الألباب حائرة ، والقلوب إليه طائرة ، فمن ذلك قوله في ليلة سمحت له بفتى يهواه ، ونفحت له هبّة بدّدت شمل جواه :
للّه ليل بات في جنحه * طوع يدي من مهجتي في يديه
فبتّه أسهر أنسا به * ولم أزل أسهر شوقا إليه
[ 245 أ ]
هامش
[ 1 ] ط د : فقلما ينجح ؛ ب م : فما رأيته نجح .
[ 2 ] ورد البيتان في المغرب 2 : 59 مع اختلاف في بعض الرواية .
[ 3 ] وضعت هذا العنوان للتمييز بين ما سبق من حديث عن ابن فرج وبين هذه القطعة التي هي دخيلة أيضا فهي مأخوذة من ترجمة ابن عائشة في المطمح : 84 - 85 ، وانظر : النفح 4 : 53 .
[ 4 ] المطمح : لبلوغ .