ويؤنسه فيتنفّس صعداء تثيرها حرقه ، إلى أن مرّا بمشهدين عليهما رأسان بأديان ، وكأنهما بالتحذير لهما مناديان ، فقال أبو إسحاق :
ألا ربّ رأس لا تزاور بينه * وبين أخيه والمزار قريب
أناف به صلد الصّفا فهو منبر * وقام على أعلاه فهو خطيب
فقال عبد الجليل :
يقول حذارا لا اغترار [ 1 ] فطالما * أناخ قتيل بي ومرّ سليب
فما أتم قوله حتى لاح لهما قتام فانقشع عن سرية خيل ، كقطع الليل ، فما انجلت إلّا وعبد الجليل قتيل وابن خفاجة سليب ، وهذا من أغرب تقول ، وأصدق تفوّل .
وله [ 2 ] :
خذها يرنّ بها الجواد صهيلا * وتسيل ماء في الحسام صقيلا
بسّامة تصبي الحليم [ 3 ] وسامة * لولا المشيب لسمتها تقبيلا
من كل بيت لو تدفّق طبعه * ماء لغضّ به الغضاء مسيلا
إيه وما بين الجوانح غلّة * لو كنت أنقع بالعتاب غليلا
ما للصّديق وقيت تأكل لحمه * حيّا وتجعل عرضه منديلا
أقبلته صدر الحسام وطالما * أضفيته درعا عليه [ 4 ] طويلا
ما ذا ثناك عن الثّناء ونشره * بردا على الرّسم الجميل جميلا
ومنها :
واصحب وذهنك [ 5 ] من هجير لافح * ذكرا كما سرت القبول بليلا
فلقد حللت مع الشّباب بمنزل * يرتدّ طرف النّجم عنه كليلا
وبدهت لا نزر المحاسن مجبلا * ومضيت لا قصم الغرار فليلا
متدفقا أعيا العقول طريقة * فكأنما ركب المجرّ سبيلا
هامش
[ 1 ] ب م : اغترارا .
[ 2 ] كتب بها الشاعر إلى الفتح بن خاقان يعاتبه لأنه بلغه أن الفتح ذكره في كتابه بقبيح ووصف أيام فتوته بشيء من التنديد .
[ 3 ] الديوان : الأريب .
[ 4 ] الديوان : عليك .
[ 5 ] ب م : واصفح وذكرك ؛ القلائد : وذكرك .