ولمّا علمت [ 1 ] رغبته - في التماس الطيور اللّبليّة [ 2 ] واقتنائها ، وتحقّقت همّته في انتخابها [ 175 ب ] وانتقائها ، تهمّمت بالفحص عن أفرهها ، وأشرفها صفة وأشرهها ، فسنح منها طائر يستدلّ بظاهر صفاته ، على كرم ذاته ، طورا ينظر نظر الخيلاء في عطفه ، كأنّما يزهى به منه جبّار ، وطورا يرمي نحو السّماء بطرفه ، كأنّما له هنالك اعتبار . وأخلق به أن ينقضّ على قنصه [ 3 ] شهابا ، ويلوي به ذهابا ، ويحرقه توقّدا والتهابا . وقد بعثت به [ 4 ] سابغ الذّنابي والجناح ، كفيلا [ 5 ] في مطالبه بالنّجاح ، حميد [ 6 ] العين والأثر ، حديد السّمع والبصر ، يكاد يحسّ بما يجري ببال ، ويسري من خيال ، قد جمع بين عزّة مليك ، وطاعة مملوك ، [ فهو بما يشتمل عليه من علو الهمة ، ويرجع إليه بمقتضى الخدمة ، مؤهل لإحراز ما تقتضيه شمائله وإنجاز ما تعد به مخايله ، وخليق بمحكم تهذيبه ، وجودة تأديبه أن ] [ 7 ] ، لو مثل [ 8 ] له النجم قنصا ، أو جرى بذكره البرق قصصا ، لاختطفه أسرع من لحظة ، وأطوع / من لفظة [ 9 ] ، وانتسفه أمضى من سهم ، وأجرى من وهم ، قد أقسم بشرف جوهره ، وكرم [ 10 ] عنصره ، لا توجّه مسفرا ، إلّا غادر قنيصه معفّرا ، وآب إلى مرسله [ 11 ] مظفّرا ، مورّد المخلب والمنقار ، كأنّما اختضب بحنّاء أو كرع في عقار .
وله في صفة محك :
ومخطوط السّواد كأنّ دمعا * جرى ودما هناك على حداد
إذا التبست وجوه الحكم يوما * قضى فمضى على وجه [ 12 ] السّداد
فأيّ بياض نعمى ليس يعزى * لمشتمل بسربال السّواد
هامش
[ 1 ] ورد بعض هذه الرسالة في نهاية الأرب 10 : 190 .
[ 2 ] اللبلية : المنسوبة إلى مدينة ( لبلة( Niebla )وفي الديوان والمسالك : الليلية .
[ 3 ] النهاية : فيصه .
[ 4 ] النهاية : أقيم له .
[ 5 ] النهاية : كفيلين .
[ 6 ] النهاية : جيد .
[ 7 ] زيادة من نهاية الأرب .
[ 8 ] هذه قراءة نهاية الأرب ، وفي الأصل : سبك .
[ 9 ] ب م : لفظة . . . لحظة .
[ 10 ] النهاية : وكريم .
[ 11 ] النهاية : إلى يد من أرسله .
[ 12 ] الديوان : نهج .