أبدا تستردّ ما تهب الدنيا * فيا ليت جودها كان بخلا « 1 »
/ فما لبث أن صدع مروتنا ، وفصم عروتنا ، وحلّ عقدنا ، ونثر عقدنا .
وفي فصل منها : وكان لي أليف ، وعقيد شريف ، من صرحاء الإخوان ، وصيّابة الفتيان ، ومصاص أعيان الزمان ، وحين سوّلت لي همتي ما سوّلت ، وخيّلت لي أمنيتي ما خيّلت ، أجلنا قداح الرأي ، وأسهمنا بين القرب والنأي ، شاور في أمري قريحته ، ونخل لي نصيحته ، وقال : أرى أن لا تريم بيضتك « 2 » وأرومتك ، وأن توطن أرضك ولا تفارق عشيرتك ، وأربأ بك عن مضلّات المنى ، وأعيذك من ترّهات لعلّ وعسى ، فتحسب كل بيضاء شحمة ، وتظنّ كلّ سوداء تمرة « 3 » ، وربما سقط العشاء بك على سرحان « 4 » ، وكلّ الناس بكر ، وفي كلّ واد بنو سعد « 5 » :
والرفق يمن والأناة سعادة * فاستأن في رفق تلاق نجاحا « 6 »
وإن أبيت إلا التحوّل ، فعليك من الرؤساء ، بأحلم الحلماء ، ومن القرباء بأشرف الشرفاء ، ولا تغرّنّك المناصب ، دون المناسب ، ولا المقول / دون المعقول ، ولا الدراهم دون المكارم ، وازهد في أكثر كلّ عين ، واذكر قول [ ابن ] الحسين « 7 » :
وما رغبتي في عسجد أستفيده * ولكنّها في مفخر أستجدّه
فلما سمعت ووعيت ، ارتكنت « 8 » وتوليت ، ثم أبيت قبولا ، ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا ، وناقضت نصحه بقول حبيب « 9 » :
وإنّ صريح العزم والرأي لامرئ * إذا بلغته الشمس أن يتحولا
هامش
( 1 ) البيت للمتنبي ، ديوانه : 400 .
( 2 ) ط د س : ببيضتك .
( 3 ) انظر المثل : « ما كل بيضاء شحمة » و « ما كل سوداء تمرة » في العسكري 2 : 287 ( تحقيق أبو الفضل ) ، والميداني 2 : 169 .
( 4 ) انظر : فصل المقال : 362 ، والميداني 1 : 223 ، والعسكري 1 : 514 ( أبو الفضل ) ، والفاخر : 206 وقد مر تخريجه ص : 83 .
( 5 ) انظر : العسكري 1 : 61 ، والميداني 1 : 36 .
( 6 ) بيت شعر للنابغة الذبياني ( انظر : اللسان والأساس : أنى ، وفصل المقال : 328 ) .
( 7 ) ديوان المتنبي : 454 .
( 8 ) ك ل م ط س : ارتكبت ؛ ل : ووليت .
( 9 ) ديوان أبي تمام 3 : 106 .