أحد نجوم تلك الآفاق ، ببلاد الشام والعراق ، واشتهار معرفة قدره ، يمنع عن ذكره ، لكني ألمع هنا بلمعة من أمره .
قرأت في الكتاب الكبير لليعقوبي في الدولة العباسية قال : كان لأحمد بن المدبّر منزلة عند المتوكل جعفر ، وكان قد قلّد ديوان الضياع لإبراهيم بن العبّاس الصوليّ ، قال وهب بن سليمان بن وهب : وكنت أكتب له ، وكان رجلا بليغا ، ولم يكن له في علم الخراج تقدّم ، وكان بينه وبين أحمد بن المدبر تباعد ، وكان أحمد نسيج وحده ، فدخل على المتوكل وقال له : قلّدت ديوان الضياع إبراهيم بن العباس فضاع ، فقال له المتوكل جعفر : غدا يحضر ، وتتكلّم في أمره بما يظهر ؛ فبلغ ذلك إبراهيم فاغتمّ لمعرفته أنه لا يفي بابن المدبر ، وحضرا من الغد ، فقال له المتوكل « 1 » : تكلم يا أحمد / فذكر أشياء صدق بها ، وإبراهيم ساكت ، فقال له المتوكل : يا إبراهيم ألك جواب على كلامه ؛ قال :
جوابي يا أمير المؤمنين في بيتي شعر إن أذن لي قلتهما ، قال : قل ، فأنشد « 2 » :
ردّ قولي وصدّق الأقوالا * وأطاع الوشاة والعذّالا
أتراه يكون شهر صدود * وعلى وجهه رأيت الهلالا
فقال المتوكل : زاه زاه ! ! أحسنت واللّه ، ائتوني بمن يلحّن هذا ، وأحضروا الندمان ، ودعونا من أخبار الديوان ، وخلع على إبراهيم .
وخلا المتوكل يومه بلهوه ، وبقي إبراهيم مغموما في منزله ، فقيل له : هذا يوم سرور بما جدّد عليك من النعمة ، وخصصت به من الكفاية بدل النقمة « 3 » ، فقال : الحقّ بمثلي أولى وأشبه ، وما أدفع أحمد بن المدبر ، ولا كذب في شيء مما ذكره « 4 » ، ولا أنا ممّن يعشره في الخراج ، كما لا يعشرني في البلاغة ، وإنما ظهرت عليه في يومي هذا بالهزل ، فما لي لا أبكي فضلا عن أن أغتم ، من زمان يدفع فيه الحقّ بالباطل ؟ ! وسيكون لهذا وشبهه نبأ بعد .
وقال يوما يحيى بن أكثم القاضي لابن المدبّر بحضرة المتوكل جعفر : أنت كاتب
هامش
( 1 ) ط د ك : المتكلم .
( 2 ) ديوان إبراهيم الصولي ( الطرائف الأدبية ) : 149 ، والأغاني 10 : 59 وفيه طرف من حكاية الصولي مع ابن المدبر .
( 3 ) بدل النقمة : سقط من ل .
( 4 ) ل : ذكر .