يريد أنّ حدّ الخمر بلغ نحور هذه الصور ، وزيد الماء فيه فانتهى الشراب إلى فوق رءوسها ، وفائدة هذا معرفة حدّها صرفا ، من حدّها ممزوجة .
/ قال ابن بسام : وقد ذكر أنّ الحسن ولّد هذا المعنى من قول امرئ القيس « 1 » :
فلمّا استطابوا صبّ في الصحن نصفه * وشجّت بماء غير طرق ولا كدر
فجعل الشراب والماء نصفين « 2 » ، لقوة الشراب ، فتسلّق الحسن عليه ، وأخفاه بما شغل به الكلام ، من ذكر الصورة المنقوشة في الكأس ، إلا أنّها سرقة مليحة . وكرّر أبو نواس هذا المعنى عجبا به في مواضع كقوله « 3 » :
بنينا على كسرى سماء مدامة * مكلّلة حافاتها بنجوم
فلو ردّ في كسرى بن ساسان روحه * إذن لاصطفاني دون كلّ نديم
وأخذه الناشئ وولّد معنى زائدا فقال « 4 » :
في كأسها صور تظنّ لحسنها * عربا برزن من الحجال وغيدا
وإذا المزاج أثارها فتقسّمت * ذهبا ودرّا توأما وفريدا
فكأنهنّ لبسن ذاك مجاسدا * وجعلن ذا لنحورهنّ عقودا
وقال ابن المعتز « 5 » :
وكأس « 6 » من زجاج فيه أسد * فرائسهنّ ألباب الرجال
/ وألمّ بهذا المتلمس بن بطال البطليوسي « 7 » فقال :
وغاب من الأكواس فيها ضراغم * من الراح ألباب الرجال فريسها
هامش
( 1 ) ديوان امرئ القيس : 11 .
( 2 ) س ط ك : قسمين .
( 3 ) زهر الآداب : 742 .
( 4 ) زهر الآداب : 740 .
( 5 ) زهر الآداب : 738 ، وديوان ابن المعتز 3 : 97 ، والأوراق : 199 .
( 6 ) الديوان : بغاب .
( 7 ) هو سليمان بن محمد بن بطال ، أبو أيوب : كان فقيها مقدما وشاعرا محسنا قريبا من الأربعمائة ( انظر ترجمته في الجذوة : 206 ، وبغية الملتمس رقم : 762 ، والنفح 3 : 292 ، 450 وله مقطعات كثيرة في كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس ) .