وكلّ ما « 1 » يختص به من أقاربه وذويه ، وعمر بهم مركب فركبوا / البحر ورزقوا السلامة فيه ، إلى أن وصلوا إلى أمير المسلمين وناصر الدين ، أبي يعقوب يوسف بن تاشفين ، رحمه اللّه ، فبقوا هنالك في كنفه وذرى فضله ، تحت إحسان عميم ، وبذل نائل جسيم ، حتى انقرضت هنالك أيامه ، ووافاه حمامه ، بعد مرض شديد أصابه ، وكانت وفاته في ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ، وكان مولده في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين .
ومن النادر الغريب أنه نودي في جنازته بالصلاة على الغريب ، بعد عظيم سلطانه ، وجلالة شأنه ، فتبارك من له البقاء ، والعزّة والكبرياء . وبلغني أنه لما أحسّ بالوفاة ، رثى نفسه بهذه الأبيات « 2 » :
قبر الغريب سقاك الرائح الغادي * حقا ظفرت بأشلاء ابن عبّاد
بالطاعن الضارب الرامي إذا اقتتلوا * بالخصب إن أجدبوا بالرّيّ للصادي
نعم هو الحقّ وافاني به قدر * من السماء فوافاني لميعاد [ 11 ب ]
ولم أكن قبل ذاك النعش أعلمه * أنّ الجبال تهادى فوق أعواد
فلا تزل صلوات اللّه نازلة * على دفينك لا تحصى بتعداد
ثم وصّى بأن تثبت على قبره .
وتنازعت يومئذ لمّة من أهل الأدب بأغمات ، ورثوه بقصائد مطوّلات ، منهم أبو بحر ابن عبد الصّمد « 3 » ، رثاه بقصيد أوله « 4 » :
/
ملك الملوك أسامع فأنادي * أم قد عدتك عن السماع عواد
لما نقلت من القصور فلم تكن * فيها كما قد كنت في الأعياد
قبّلت في هذا الثرى لك خاضعا * وجعلت قبرك موضع الإنشاد
وأنشد على قبره وفعل ما ذكر : قبل الترب « 5 » ومرّغ جبينه وعفّر ، فأبكى من حضر « 6 » .
هامش
( 1 ) ك : من .
( 2 ) ديوانه : 96 ، والمعجب : 222 ، والأعلام 2 : 320 - 321 .
( 3 ) ترجمته في القسم الثالث : 809 .
( 4 ) أبياته في القلائد : 31 ، والنفح 4 : 224 ، 259 ، والأعلام 2 : 321 .
( 5 ) ك : القبر .
( 6 ) قارن بقوله في القلائد : « . . . وقال بعد أن طاف بقبره والتزمه ، وخر على تربه ولثمه ، فانحشر الناس إليه وانجفلوا ، وبكوا لبكائه وأعولوا » .