ابن زيدون قد جرى من الكلام إلى غاية لا يتعدّاها ، ولا يرضى من نفسه إلا بلوغ أقصاها ، ولا يمكنه ذلك منها إلا في مهلة طويلة ، وعلى كلفة ثقيلة ، فربّما كبا جواده ، وتأخّر مراده ، ولم يزل أبو الوليد يطرق ويحلم ، ويسدّي في أمره ويلحم ، وابن حصن يغترّ ويقدم ، ففاز ابن زيدون بحلمه وتوقّره ، وهوى نجم ابن حصن بين اغتراره وتهوّره ، فزلّت قدمه ، وطاح دمه ، في خبر مشهور مذكور ، « وعند اللّه تجتمع الخصوم » « 1 » وإليه ينتهي الظالم والمظلوم .
جملة من أشعاره في صفات مختلفة
قال :
ألا قل لبدر الدجى ما عداه * مما بدا من نوال نوى لي « 2 »
وهات اشفين غلّتي بالمدام * فإن بنات الدوالي الدوالي
وقال « 3 » :
/
وربّ شعلة نار * شفيت منها أواري
أليس ذاك عجيبا « 4 » * يطفى الغليل بنار ؟ !
كأنما عصرت من * شقائق الجلّنار
إذا بدت لك في قطعة * من البلّار
حسبتها شفقا صبّ * في زجاج نهار
وقال « 5 » :
قم يا غلام فسقنيها واطرب * واشرب عتبت عليك إن لم تشرب
من قهوة صفراء ذات أسرّة * في الكأس تأتلق ائتلاق الكوكب
خضبت بنان مديرها بشعاعها * فعل العرارة في شفاه الربرب
هامش
( 1 ) عجز بيت من الشعر ، وصدره : « إلى ديان يوم الدين نمضي » والبيت لأبي العتاهية في ديوانه : 353 ، والأغاني 4 : 53 وهو دون نسبة في ابن خلكان 6 : 229 .
( 2 ) س م : نوال .
( 3 ) المسالك 11 : 217 .
( 4 ) ط ل ك : أليس ذا عجبا أن .
( 5 ) وردت في المغرب 1 : 246 ، والمسالك ، والأخير منها في رايات المبرزين : 40 ( 11 غ ) .