تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 6

مساهمون:

ص٦
( البرتغال اليوم ) نشأ فيها وتلقى ثقافته في منطقة الغرب الأندلسي ، فكان يتردد إلى بطليوس وإلى الأشبونة ( لشبونة ) وغيرهما ، واستأثرت به الثقافة الأدبية النقدية وغلبت عليه دون سائر الثقافات ؛ وفي الأشبونة اجتمع مع الشاعر عبد المجيد بن عبدون سنة 477 / وأملى عليه هذا الشاعر بعض نظمه ونثره ، كما لقي في الأشبونة أيضا أبا بكر بن عبادة ، وفيها لقي أيضا أبا جعفر أحمد بن الدودين البلنسي وشافهه وأملى الشاعر عليه بعض نظمه ونثره . وأرجح أن مثل هذه اللقاءات هي التي أوحت إليه بتأليف كتاب يذكر فيه معاصريه ويورد فيه نماذج من شعرهم ونثرهم ؛ ولكن هذه الفكرة لم تدخل حيز التحقيق إلا عندما فقد بلده شنترين وهاجر منها إلى إشبيلية ، بعد استيلاء صاحب قشتالة الفونسو السادس عليها في ما استولى عليه من غرب الأندلس . ويصف الحميري ( الروض المعطار : 346 ) شنترين بقوله : مدينة معدودة في كورباجة وهي على جبل كثير العلوّ جدا ، ولها من جهة القبلة حافة عظيمة ، ولا سور لها ، وبأسفلها ربض على طول النهر ( تاجه ) ، ولها بساتين كثيرة وفواكه ومباقل ، ونهرها يفيض على بطحائها فيزدرع أهلها على ثراء عند انقطاع الزريعة في البلاد وذهاب أوانها . إن هذا الوصف لمدينة شنترين يجعلنا نصدق قول ابن بسام : « فقد كنا غنينا هنالك بكرم الانتساب عن سوء الاكتساب ، واجتزأنا بمذخور العتاد عن التقلب في البلاد » أعني أن هذا الخصب الذي كانت تتمتع به شنترين كان عام الخير لأكثر سكانها ، فكيف إذا كان المتحدث عنه من ذوي الحسب الموروث والنسب الكريم ، أي أنّ ابن بسام - فيما يستنتج من كلامه كان قد أصبح في بلده من أبرز شبانه ، وأن اضطراره للتحول عن ذلك الوطن كان قاسيا جدا على نفسه ، وهو ربيب نعمة ، ولذلك نجد في مقدمة الذخيرة ما ينبئ عن نفس حزينة وإحساس عميق بالغربة وما يعانيه المغترب من تنكر الناس من حوله ، كما في قوله : « وعلم اللّه أن هذا الكتاب لم يصدر إلا عن صدر مكلوم الأحناء وفكر خامد الذكاء لانتباذي - كان - من شنترين قاصية الغرب ، مفلول الغرب ، مروع السرب ، بعد أن استنفد الطريف والتلاد بتواتر طوائف الروم علينا في عقر ذلك الإقليم ( الذخيرة 1 / 1 : 19 ) وقوله أيضا : « فإنما جمعته بين صعب قد ذلّ ، وغرب قد فلّ ، ونشاط قد كلّ ، وشباب ودع فاستقل » ( 1 / 1 : 16 ) . هاجر ابن بسام من بلده حين اشتد الهول هنالك ، وكانت هجرته سنة 485 / 1092 وحلّ في إشبيلية وأقام فيها سنوات يتبوأ ظل الغمامة ، ولا أنس إلا الانفراد ، ولا تبلغ إلا