فقال المأمون : من أومأ إلى عريب بقبلة ؟ فوجم الحاضرون ، فعزم عليهم ليخبروه [ 1 ] . فقال أبو عيسى أخوه : لا تظلم الناس ، من يجترئ / على هذا إلّا هذا الفاسق ؟ وأومأ إلى ابن حمدون ، فاستفسر المأمون من أين وقع له ذلك ، فقال : هي لا تغنّي حتى تؤمر واندفعت تغنّي ارتجالا .
ودخل حارثة بن بدر [ 2 ] على زياد وفي وجهه أثر . فقال له زياد : ما هذا الأثر في وجهك ؟ قال : ركبت فرسي الأشقر فجمح بي ! فقال : أما إنّك لو ركبت فرسك الأشهب ما فعل ذلك ! فكنى بالأشقر عن النّبيذ ، وبالأشهب عن اللّبن .
فصل في ذكر الأديب أبي بكر عبادة بن ماء السماء [ 3 ]
وإثبات جملة من شعره مع ما يتعلّق به من ذكره [ 4 ] قال ابن بسّام : [ هو عبادة بن عبد اللّه الأنصاري من ذرّية سعد بن عبادة ، وقيل له :
ابن ماء السماء لجدهم الأول . ولحق بقرطبة الدولة العامريّة والحمودية ومدح رجالها ] .
وكان أبو بكر في ذلك العصر شيخ الصّناعة ، وإمام [ 5 ] / الجماعة ، سلك إلى الشّعر مسلكا سهلا ، فقالت له غرائبه : مرحبا وأهلا . وكانت صنعة التوشيح التي نهج أهل الأندلس طريقتها ، ووضعوا حقيقتها ، غير مرقومة البرود ، ولا منظومة العقود ، فأقام عبادة هذا منآدها ، وقوّم ميلها وسنادها ، فكأنها لم تسمع بالأندلس إلّا منه ، ولا أخذت إلّا عنه ، واشتهر بها اشتهارا غلب على ذاته ، وذهب بكثير من حسناته [ 6 ] .
هامش
[ 1 ] س : علي وعلي لئن لم تخبروني لأقتلنكم .
[ 2 ] في النسخ : زيد ، وهو خطأ ؛ وحارثة بن بدر الغداني كان جليس زياد ( انظر ترجمته في الأغاني 23 : 444 - 500 وقد وردت القصة ص : 482 ) .
[ 3 ] ترجمة عبادة بن عبد اللّه بن محمد بن ماء السماء في الجذوة : 274 ( البغية رقم : 1123 ) ، والصلة : 426 ، وأدباء مالقة : 145 ( مخطوطة خاصة ) وصفحات متفرقة من نفح الطيب ، وله مقطعات شعرية في كتاب التشبيهات ، وانظر أيضا الفوات 1 : 149 وقد أورد له ابن شاكر موشحتين ؛ إلا أن الصفدي نسب إحداهما إلى محمد بن عبادة القزاز ( الوافي 3 : 189 ) . وقد كان عبادة أحد تلامذة اللغوي المشهور أبي بكر الزبيدي ، وقد ألف كتابا في أخبار شعراء الأندلس ( النفح 3 : 173 ) وعن هذا الكتاب ينقل ابن سعيد في المغرب ؛ وترجم له ابن خاقان في المطمح : 84 ترجمة موجزة ( وعنه النفح 4 : 52 ) وانظر المسالك 11 : 397 .
[ 4 ] س : يتعلق بذكره .
[ 5 ] الفوات : وأحكم .
[ 6 ] قوله : وكانت صنعة التوشيح . . . حسناته : النص في كتاب أدباء مالقة نقلا عن كتاب الأصبغ .