فلمّا [ 1 ] انفصلت عنها صباحا ، أنشدتها ارتياحا [ 2 ] :
ودّع الصّبر محبّ ودّعك * ذائع من سره ما استودعك
يقرع السّنّ على أن لم يكن * زاد في تلك الخطى إذ شيّعك
يا أخا البدر سناء وسنا * حفظ اللّه زمانا أطلعك
إن يطل بعدك ليلي فلكم * بتّ أشكو قصر اللّيل معك
قال أبو الوليد : وكانت عتبة قد غنتنا [ 3 ] :
أحبّتنا إني بلغت مؤمّلي * وساعدني دهري وواصلني حبي
وجاء يهنيني البشير بقربه * فأعطيته نفسي وزدت له قلبي
فسألتها الإعادة ، بغير أمر ولّادة ، فخبأ منها برق التبسم ، وبدا عارض التجهّم ، وعاتبت عتبة ، فقلت [ 4 ] :
وما ضربت عتبى لذنب أتت به * ولكنما ولّادة تشتهي ضربي
فقامت تجرّ الذيل عاثرة به * وتمسح طل الدمع بالعنم الرّطب
فبتنا على العتاب ، في غير اصطحاب ، ودم المدام مسفوك ، ومأخذ اللّهو متروك .
فلمّا قامت خطباء الأطيار ، على منابر الأشجار ، وأنفت من الاعتراف ، وباكرت إلى الانصراف ، وشّت بمسك الأنقاس ، على كافور الأطراس [ 5 ] :
لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا * لم تهو جاريتي ولم تتخيّر
وتركت غصنا مشمرا بجماله * وجنحت للغصن الذي لم يثمر
[ ولقد علمت بأنني بدر السما * لكن دهيت لشقوتي بالمشتري ]
وأما ذكاء خاطرها ، وحرارة [ 6 ] نوادرها ، فآية من آيات فاطرها : مرّت [ 7 ] بالوزير أبي عامر ابن عبدوس - المتقدم الذكر - وكان بقرطبة أحد أعيان المصر ، وبعض من هذى باسمها ، وتصرّف على حكمها ، وأمام داره بركة دائمة تتولّد عن كثرة الأمطار ، وربما
هامش
[ 1 ] التحفة : ولما نشر الصبح لواءه ، وطوى الليل ظلماءه ، ودعتها وأنشدتها .
[ 2 ] ديوان ابن زيدون : 377 ، وتنسب الأبيات في بعض المراجع لولادة .
[ 3 ] أثبتهما ناشر ديوانه : 120 على أنهما من شعره ، وليس ثمة ما يؤكد ذلك .
[ 4 ] ديوانه : 175 ، وليسا من أصل الديوان .
[ 5 ] تمام المتون : 11 ، وأنيس الجلساء : 102 .
[ 6 ] ط : وكثرة ؛ المسالك : وعجب .
[ 7 ] سرح العيون : 23 - 24 ، والفوات والنفح وأنيس الجلساء .