وكمال [ 1 ] تلك الطيالس ؟ قلت : نعم ، إنّها لحاء الشجر ، وليس ثم ثمر [ 2 ] ولا عبق . قال لي : صدقت ، إنّي أراك قد ماثلت معي ، قلت : كما سمعت . قال : فكيف كلامهم بينهم ؟
قلت : ليس / لسيبويه فيه عمل ، ولا للفراهيديّ إليه طريق ، ولا للبيان عليه سمة . إنّما لكنة أعجميّة يؤدّون بها المعاني تأدية المجوس والنّبط . فصاح : إنّا للّه ، ذهبت العرب وكلامها [ 3 ] ! ارمهم [ 4 ] يا هذا بسجع الكهّان ، فعسى أن ينفعك عندهم ، [ ويطير لك ذكرا فيهم [ 5 ] ، وما أراك مع ذلك إلّا ثقيل الوطأة عليهم ، كريه المجيء إليهم ] . فقال الشيخ الذي إلى جانبه ، وقد علمت أنّه صاحب عبد الحميد ، ونفسي مرتقبة إلى ما يكون منه [ 6 ] : لا يغرّنك منه أبا عيينة ما تكلف لك من المماثلة ، إنّ السجع لطبعه ، وإنّ ما أسمعك كلفة ، ولو امتدّ به طلق الكلام ، وجرت أفراسه في ميدان البيان ، لصلّى كودنه ، وكلّ برثنه . وما أراه إلا من اللّكن الذين ذكر ، وإلّا فما للفصاحة لا تهدر ، وللأعرابيّة لا تومض ؟ فقلت في نفسي : طبع عبد الحميد ومساقه وربّ الكعبة ؛ فقلت له : لقد عجلت أبا هبيرة - وقد كان زهير عرّفني بكنيته - إنّ قوسك لنبع ، وإنّ ماء سهمك لسمّ ، أحمارا رميت أم إنسانا ، وقعقعة طلبت أم بيانا ؟ وأبيك إنّ البيان لصعب [ 7 ] ، وإنك منه لفي عباءة تتكشّف عنها أستاه معانيك ، تكشف است العنز [ 8 ] عن ذنبها . الزمان دفء لا قرّ ، والكلام عراقي لا شاميّ . إني لأرى من دم اليربوع بكفّيك [ 9 ] ، وألمح من كشى الضّبّ على ماضغيك . فتبسّم إليّ وقال : أهكذا أنت يا أطيلس [ 10 ] ، تركب لكلّ نهجه ، وتعجّ إليه عجّه ؟ فقلت : الذئب / أطلس ، وإنّ التّيس ما علمت ؛ فصاح به أبو عيينة : لا تعرض له ، وبالحرى أن تخلص منه . فقلت : الحمد للّه خالق الأنام في بطون الأنعام ! فقال : إنّها كافية لو كان له حجر ؛ فبسطاني وسألاني أن أقرأ عليهما من رسائلي ، فقرأت رسالتي في
هامش
[ 1 ] إحكام : وجمال .
[ 2 ] إحكام : قلت : نعم ، كما رأيت نضارة تلك الشجرة وليس ثمّ ثمرة .
[ 3 ] إحكام : وكلامهم .
[ 4 ] ط : ارقهم .
[ 5 ] إلى هنا يتوقف النقل في إحكام صنعة الكلام .
[ 6 ] ب س : لما يأتي منه .
[ 7 ] ط : للبيان لعصبا ( اقرأ : لعصيانا ) .
[ 8 ] ب س : العير .
[ 9 ] ب س : بفكيك .
[ 10 ] ط : طلس .