وبدر الدّجى فيها غديرا وحوله * نجوم كطلعات الحمام [ 1 ] النواهل
كأنّ الدجى همّي ودمعي نجومه * تحدّر إشفاقا لدهر الأراذل
هوت أنجم العلياء إلّا أقلّها * وغبن بما يحظى به كلّ عاقل
وأصبحت في خلف إذا ما لمحتهم [ 2 ] * تبينت أنّ الجهل إحدى الفضائل
وما طاب في هذي البريّة آخر * إذا هو لم ينجد بطيب [ 3 ] الأوائل
أرى حمرا فوق الصّواهل جمّة * فأبكي بعيني ذلّ تلك الصّواهل
وربّت كتّاب إذا قيل : زوّروا * بكت من تأنيهم [ 4 ] صدور الرّسائل
وناقل فقه لم ير اللّه قلبه * يظنّ بأنّ الدين حفظ المسائل
وحامل رمح راح فوق مضائه * به كاعبا في الحي ذات مغازل
حبوا بالمنى دوني وغودرت دونهم * أرود الأماني في رياض الأباطل
وما هي إلّا همّة أشجعيّة * ونفس أبت لي من طلاب الرّذائل
وفهم لو البرجيس جئت بجدّه * إذا لتلقّاني بنحس المقاتل
ولما طما بحر البيان بفكرتي * وأغرق قرن الشمس بعض جداولي
رحلت إلى خير الورى كلّ حرّة * من المدح لم تخمل برعي الخمائل
وكدت لفضل القول أبلغ ساكتا * وإن ساء حسادي مدى كل قائل
فلما انتهيت قال : أنشدني أشدّ من هذا ، فأنشدته قصيدتي :
هاتيك دارهم فقف بمعانها [ 5 ]
فلما انتهيت [ 6 ] قال لزهير : إن امتد به طلق العمر ، فلا بدّ أن ينفث بدرر ، وما أراه إلّا سيحتضر ، بين قريحة كالجمر ، وهمّة تضع أخمصه على مفرق البدر . فقلت : هلّا وضعته على صلعة النّسر ؟ ! فاستضحك إليّ وقال : اذهب فقد أجزتك بهذه النّكتة .
فقبّلت على رأسه وانصرفنا .
هامش
[ 1 ] ط : الجمام .
[ 2 ] ب : التمحتهم .
[ 3 ] ب س : لم ينجده طيب .
[ 4 ] ط : تأتيهم .
[ 5 ] ديوان ابن شهيد : 165 ؛ وانظر ما تقدم ص 205 .
[ 6 ] ب س : حتى إذا سمعها .