خاتمة القوم صاحب أبي الطّيّب ، فقال : اشدد له حيازيمك ، وعطّر له نسيمك ، وانثر عليه نجومك . وأمال عنان الأدهم إلى طريق ، فجعل يركض بنا ، وزهير يتأمّل آثار فرس لمحناها هناك ؛ فقلت له : ما تتبّعك لهذه الآثار ؟ قال : هي آثار فرس حارثة بن المغلّس صاحب أبي الطّيّب ، وهو صاحب قنص [ 1 ] . فلم يزل يتقرّؤها حتى دفعنا إلى [ 2 ] فارس على فرس بيضاء كأنّه قضيب على كثيب ، وبيده قناة قد أسندها إلى عنقه ، وعلى رأسه عمامة حمراء ، قد أرخى لها عذبة صفراء . فحيّاه زهير ، فأحسن الرّد ناظرا من مقلة شوساء ، قد ملئت [ 3 ] تيها وعجبا . فعرّفه زهير قصدي وألقى إليه رغبتي . فقال : بلغني أنه يتناول [ 4 ] ، قلت : للضرورة الدافعة ، وإلّا فالقريحة غير صادعة ، والشّفرة غير قاطعة ، قال : فأنشدني ، وأكبرته أن استنشده ، فأنشدته قصيدتي التي أوّلها :
أبرق بدا أم لمع أبيض قاصل [ 5 ]
حتى انتهيت فيها إلى قولي :
تردّد فيها البرق حتى حسبته * يشير إلى نجم الرّبى بالأنامل
ربى نسجت أيدي الغمام للبسها * غلائل صفرا فوق بيض غلائل
سهرت بها أرعى النجوم وأنجما * طوالع للرّاعين غير أوافل
وقد فغرت فاها بها كلّ زهرة * إلى كل ضرع للغمامة حافل
ومرّت جيوش المزن رهوا [ 6 ] كأنها * عساكر زنج مذهبات المناصل
حلقت الخضراء في غرّ شهبها [ 7 ] * كلجّة بحر كلّلت باليعاليل
تخال بها زهر الكواكب نرجسا * على شطّ واد للمجرّة سائل [ 8 ]
وتلمح من جوزائها في غروبها * تساقط عرش واهن الدعم مائل
وتحسب صقرا واقعا دبرانها * بعشّ الثريّا فوق حمر الحواصل
هامش
[ 1 ] ب س : وهو ذو قنص .
[ 2 ] ب س : حتى لاح لنا .
[ 3 ] ب س : حشيت .
[ 4 ] ب س : أنك تتناول .
[ 5 ] ديوان ابن شهيد : 142 وعجز البيت : « ورجع صدى أم رجع أشقر صاهل » .
[ 6 ] ط : زهوا ؛ ب س : زهرا .
[ 7 ] ط والمغرب : وحلقت ؛ ب س : نجمها .
[ 8 ] المسالك : حافل .