فلمّا سمع فتح الباب عليه ، وعلم أنّه في جملة من جاء إليه ، قبّل الأرض بين يديه ؛ فلما رفع « 1 » رأسه إلّا وقد ذرعه انتكاسا ، وسقاه الحمام كأسا ؛ بضربة نظمت رأسه في الطّبرزين نظم العقد ، وفصمت من فؤاده عرى ذلك الحقد . ثمّ أمر به فكفّن في تلك الدّماء ، ودفن ببقيّة ذلك الذّماء .
ويدلّ على تولّي المعتمد على اللّه قتله بنفسه ، ونقله من ضربته « 2 » إلى رمسه ، قول عبد الجليل « 3 » ، وكان إليه منقطعا ولأخلاف نعمائه مرتضعا :
من « 4 » ذا الذي أبكيه ملء مدامعي * وأقول : لا شلّت يمين القاتل
ولمّا « 5 » وصل إلى المعتمد هذا القصيد ، جعل من بحضرته من أعداء ابن [ 91 / ظ ] عمّار / ينتقدونه ويطلبون به عيبا لو يجدونه ، حتّى انتهى بهم النّقد إلى قوله :
« وبين ضلوعي من هواه تميمة » البيت ، فجعلوا يقولون : أيّ معنى أراد ؟ ، ما قال شيئا ، ولا كاد ! فقال لهم المعتمد : مهما سلبه اللّه المروءة والوفاء ، فما سلبه الفطنة والذكاء ، إنّما اقتبس - قلب - بيت الهذلي ، فأحسن ما أراد :
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها * ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
فسكت القوم في ناديهم ، وسقط في أيديهم ، غير أنّ أبا سالم العراقي جعل يتمضّغ بقوله : « يكرّان في ليل الخطوب » ، ويقول : « ما معناه ؟ وهلّا أبدل بهذا اللّفظ سواه ؟ » فقال له المعتمد : فأنت أبا سالم ، أزله ، وإن استطعت بفضلك فأبدله ! فأحجم بها وتلعثم ، ولم يتأخّر ولا تقدّم .
هامش
( 1 ) ق : سمع .
( 2 ) ق : بضربته .
( 3 ) ستأتي ترجمته .
( 4 ) الذخيرة : 2 / 1 / 431 ، والحلة : 2 / 160 : عجبا لمن أبكيه .
( 5 ) إلى هنا تنتهي الترجمة في بقيّة النسخ ، وما يلي زيادة في « م » .