وذهبت روحه مقسّما بالأنكاد موزّعا ، ونغّصت عليه منيّته ، حتى ما كان يلتفت إلّا إلى وهج يغشاه ، ولا يصيخ إلّا إلى زجّة تقلقل حشاه ، فأكثر القتال إنّما كان تحت مجلسه الذي كان به مضجعه ، وفيه تألّمه وتوجّعه .
[ - للمعتصم وقد بكت إحدى حظاياه في احتضاره ]
ولقد أخبرني من سمعه يقول وقد علت أصواتهم ، وتغلغلت لغاتهم « 1 » :
« نغّص علينا كلّ شيء ، حتّى الموت » ، فبكت إحدى حظاياه ، فرمقها ، بطرفه الكليل ، وقال وهو يتنفّس الصّعداء من حرّ الغليل « 2 » :
( متقارب )
ترفّق بدمعك لا تفنه * فبين يديك بكاء طويل
[ - ابنه عزّ الدولة ]
وبقي ابنه عزّ الدّولة « 3 » ، مختبل التّلفّت ، مرتقبا للتّفلّت ، لا يحكم تدبيرا ، ولا يملك من أمره ، قبيلا « 4 » ولا دبيرا ، قد نهل « 5 » بالغصص ، وذهل خوفا من القنص ، إلى أن ركب في البحر طريقا غير يبس « 6 » ، وساعدته الرّيح بنفس ، فامتطى ثبجه ، وأورد غربانه لججه ، فكانت أطوع من غربان نوح « 7 » ، وبانت « 8 »
هامش
( 1 ) وتغلغلت لغاتهم : ساقطة في ع .
( 2 ) انظر : ابن خلكان : 5 / 44 .
( 3 ) هو أبو مروان عبيد اللّه ، كان أبوه قد أنفذه في آخر دولته رسولا إلى يوسف بن تاشفين ، فاعتقله ، حتى تمكّن أبوه من خلاصة ، وبقي بألمرية إلى أن فرّ أخوه - معزّ الدولة - إلى بجاية ، ولجأ هو إلى أحد المرابطين ، إلى أن انقرض أمده . ( الحلّة : 2 / 88 - 92 ) .
( 4 ) ب ق ط : قليلا ولا كثيرا ، وفي المثل : « ما يعرف قبيلا من دبير » ، والمعنى : ما يدري شيئا ( الميداني : 2 / 269 ، واللسان : دبر ) .
( 5 ) ب : نهك .
( 6 ) إشارة إلى قوله تعالى :فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً) . سورة طه : 77 .
( 7 ) في ثمار القلوب : 40 : غراب نوح : يضرب مثلا للرسول الذي لا يعود أو يبطئ عن ذي الحاجة من غير إنجاح .
( 8 ) ب ق : وبلغت ، س : وباتت .