يليه ، ما خلا سليمة ، فإنّه أضعف همّة ، وأعجز منّة « 74 » ، وإنه إذا جنّه الليل في الليلة التي تكون نوبته في الحرس يعتزل عن فرسان قومه ، ويتشاغل بالنّوم والغفول عمّا يلزمه ، فلا يكون لك فيه كفاية ولا مغنى .
وجعلوا يوهّنون أمره عند أبيه ، وينسبونه إليه العجز والتقصير . فقال لهم مالك :
إنكم لكذلك . وما أحد منكم إلّا وهو قائم بما يليه . وأمّا قولكم في ابني سليمة بما قلتم ، فليس هو كذلك ، وإنّ ظنّي فيه كعلمي ، ولم تزل الإخوة يحسد بعضهم بعضا ، لإيثار الآباء بعضا على بعض . فانصرفوا من عنده راجعين بغير ما كانوا يؤمّلون في أخيهم سليمة .
ثم إنّ مالكا دخله الشّك ، فأسرّ كلامهم ذلك في نفسه ، إلى أن كان الليلة التي كانت فيها نوبة سليمة ، وقد خرج في نفر من فرسان قومه يحرسون في العادة ، إلى أن جنّهم الليل ، ثم اشتدّ في المكان الذي كان يكمن فيه بقرب دار أبيه . فبينما هو كذلك إذ أقبل مالك بن فهم من قصره في جوف الليل ، مختفيا من حيث لا يعلم به أحد ، قاصدا يريد ابنه سليمة في ذلك الموضع ، لينظر إن كان كما نقل إليه ولده عنه أم لا ، وكان سليمة في ذلك الوقت قد لحقته سنة « 75 » ، فأغفى على ظهر فرسه ، وهو متنكّب كنانته ، وفي يده قوسه .
وهو على ذلك الحال إذ أقبل مالك بن فهم في سواد الليل ، قاصدا نحوه ، فحسّت الفرس مالكا ورأت شخصه من بعيد ، وهو متنكّر ، فصهلت الخيل ، فانتبه سليمة من سنته تلك مذعورا ، ونظر إلى الفرس وهي ناصبة أذنيها نحو شخص مالك وحسّه ، ففوّق سهمه في كبد قوسه ويمّمه نحو شخص مالك ، وهو لا يعلم أنّه أبوه ، فسمع مالك صوت السّهم ، وقد خشف « 76 » في القوس ، حين أرسله نحوه ، فهتف به ، يا بنيّ ، لا
هامش
( 74 ) المنة : القوة ، وفي الأصول : منه ، وهو تصحيف .
( 75 ) السنة : النوم .
( 76 ) خشف : سمع له صوت أو حركة ، وخشف في الشيء ، واختشف : دخل . ( اللسان ) .