تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنساب — صفحة 688

مساهمون:

ص٦٨٨
قد عمّق ، وفرش فيه الصّخر . وكان اللّه تعالى قد ألان لهم الحجارة ، من قبل طلوع الشمس إلى زوالها ، ومن الزّوال إلى العشاء ، وكانوا يباكرونه بالغداة كالطّين وكالعجين ، فيضعونه في الأساس ، ويدخلون بعضه في بعض ، ويجعلون ملاطه الرّصاص المذاب ، وجعلوا فيه أبوابا مبوّبة ، وقناطر معقودة ، وركّبوا عليها أوصادا من حديد محكمة . وكانت جنانهم من وراء السّور ، وقصورهم داخل الجنّتين . وفي الجنّتين كلّ شجرة تواتي أكلها كلّ حين . وكان أحدهم إذا أراد الماء رفع من تلك الأبواب التي تلي جنّته بابا ، فيخرج الماء إلى جداول تخترق قصورهم وجنّاتهم وحدائقهم ، فإذا استغنى أرسل الباب . وكانوا قد غرسوا على ذلك الماء الجنّتين اللّتين ذكرهما اللّه تعالى في كتابه ، عن يمين وشمال ، وظلّلوهما حتى كانت لا تدخلهما شمس ولا ريح . وكان أمرهم كما ذكر اللّه تعالى . وحدّثنا سعيد عن قتادة عن الحسن « 1 » ، في قوله تعالى :
لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ
« 2 » قال الحسن : كان واديا بين جبلين ، ثمانية عشر ميلا ، فكان كما قال اللّه عزّ وجل جنّتين ، جنّة عن يمين الوادي ، وجنّة عن يسار الوادي ، والوادي ملتفّ بالشجر ، ومنازلهم بين ذلك ، ومن وراء الجنّتين مزارعهم وكانت أزكى أرض اللّه يومئذ ، وأهلها أخصب أهل اليمن ، وكان شربهم من أعلى الوادي ، من عين تخرج من ثقب في ذلك الجبل ، فإن شاءوا سدّوا ذلك الثقب ، فأمسكوا الماء ، وإن شاءوا فجروه . وكانت الكهنة تخبرهم أنّ هلاك واديهم من قبل سيل يأتيهم من عين شربهم . فبنوا على تلك العين بنيانا بالحجارة والرّصاص ، لا يخرج إليهم من الماء إلا بقدر ، لما خوّفوا من السّيل . فكانت الجنّتان عن يمين الوادي وشماله . وكان الوادي ملتفّا بالشجر .
هامش
( 1 ) قول المصنف : حدّثنا ، لا يعني أنه سمع سعيد بن المسيب ، وإنما يروي عمّن سمعه ، والحسن هو الحسن البصري . ( 2 ) سورة سبأ ، الآية 15 .