القادر بن ذي النون ، ولم يزل يستخرج ما عندهم بالضرب والإهانة وغليظ العذاب ، ثم أمر بإضرام نار عظيمة ، كانت تلفح الوجوه على مسافة بعيدة ، وجيء بالقاضي أبي أحمد يرسف في قيوده ، وأهله وبنوه حوله ، فأمر بإحراقهم جميعا .
فضج المسلمون والروم ، وقد اجتمعوا ورغبوا في ترك الأطفال والعيال ، فأسعفهم بعد جهد شديد ، واحتفر للقاضي حفرة ، وذلك بولجة - رحبة - بلنسية ، وأدخل فيها إلى حنجرته ، وسوي التراب حوله ، وضمت النار نحوه ، فلما دنت منه ولفحت وجهه قال : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وقبض على أقباسها وضمّها إلى جسده ، يستعجل المنية ، فاحترق رحمه اللّه ، وذلك في جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة .
ويوم الخميس منسلخ جمادى الأولى من السنة قبلها كان دخول القنبيطور المذكور بلنسية ) « 1 » .
هكذا وصف ابن الأبار تلك الحادثة في كتابه الحلة السيراء ، وعلق عليها الدكتور حسين مؤنس بقوله : « وفي بلنسية اليوم موضع يسمى رحبة القاضي ، أمام كنيسة سانتاكاتالينا ، وأصلها مسجد من مساجد بلنسية الإسلامية وقد حوّل إلى كنيسة بهذا الاسم بعد سقوط البلد نهائيا في أيدي النصارى ، ولعل هذا هو الموضع الذي أحرق فيه ابن جحاف ، ولم يحقق مندذ بيدال ذلك الموضوع لأنه - فيما أحسب - رغم دفاعه عن هذا العمل البشع الذي أتاه القنبيطور يشعر في نفسه بشناعته » « 2 » .
هامش
( 1 ) الحلة السيراء : 2 / 126 .
( 2 ) هامش الحلة السيراء : 2 / 126 .