فسمعته يقول : شهد قلبي للّه بالنوازل ، وكيف لا يشهد قلبي بذلك وكل أمورهم إليك فحسب من أغتر بك أن يألف قلبه غيرك ، هيهات هيهات لقد خاب لديك المقصرون سيدي ما أحلا ذكرك ، أليس قصدك مؤملوك فنالوا ما أملوا ، وجدت لهم منك بالزيادة على ما طلبوا فقلت له يا حبيبي إني مقيم عليك منذ يوم وليلة أريد أن أسمع من كلامك فقال لي قد رأيتك بأبطال حين أقبلت ولكن ما ذهب روعك من قلبي إلى الآن . فقلت له : ولم ذلك وما الذي أفزعك منى ؟ فقال : بطالتك في يوم عملك ، وشغلك في يوم فراغك ، وتركك الزاد ليوم معادك ، ومقامك على المظنون . فقلت : إن اللّه تعالى كريم ما ظن به أحد شيئا إلا أعطاه . فقال : إنه لكذلك إذا وافقه العمل الصالح والتوفيق فقلت له : رحمك اللّه يا حبيبي ما هاهنا فتية تستأنس بهم ؟ فقال : بلى هاهنا فتية متفرقون في رؤوس الجبال . قلت : فما طعامهم في هذا المكان ؟ قال : أكلهم الفلق من خبز البلوط ، ولباسهم الخرق من الثياب ، قد يئسوا من الدنيا ويئست الدنيا منهم ، قد لصقوا بمقام الأرض وتلففوا بالخرق ، فلو رأيتهم رجالا إذا جنهم الليل بسكاكين السهر . فقلت له : يا حبيبي فما مع القوم دواء يتعالجون به من الألم ؟ قال بلى ! قلت : وما ذاك الدواء ؟ قال : إذا أكلوا أضافوا من الكلال بالكلال ، وجدوا بالارتحال فتسكن العروق ويهدأ الألم .
فقلت له : يا حبيبي فلا يسيرون بجد ! فقال هذا تقول بأبطال ! إن القوم أعطوا المجهود من أنفسهم ، فلما دبرت المفاصل من الركوع ، وقرحت الجباه من السجود ، وتغيرت الألوان من السهر ، ضجوا إلى اللّه بالاستعانة ، فهم أحلاف اجتهاد يهيمون فلا تقربهم الأوطان ، ولا يسكنون إلى غير الرحمن . فقلت له :
حبيبي أوصني . فقال لي : عليك بمعاقبة نفسك إذا دعتك إلى بلية ، ومنا بذلتها إذا دعتك إلى الفترة فان لها مكرا وخداعا فإذا فعلت هذا الفعل أغناك عن المخلوقين وسلاك عن مجالسة الفاسقين .
* حدثنا أبي ثنا أحمد ثنا سعيد قال سمعت ذا النون يقول : أسفرت منازل الدجا ، وثبتت حجج اللّه على خلقه ، فأخذ بحظه ، ومضيع لنفسه ،
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 381
مساهمون: أبي نعيم الأصبهاني
ص٣٨١